رمضان شهر الخير

مع بداية شهر رمضان يحل موسم التنافُس فى الطاعات , وتهل الخيرات والبركات على الجميع , تُشرق أنوار آيات القرآن الكريم والذكر الحكيم تصدح به الألسنة والقلوب المؤمنة , تُقّيد الشياطين وتَسعى الملائكة بالنور والبشارة بمغفرة الذنوب وإغاثة الملهوف والعتق من النار . أجواء روحانية ونفحات ربانية لا تُعد ولا تُحصى طوال شهر واحد يأتى كل عام فيربُت على القلوب لتستكين الأرواح وتصفو البصائر من لذة العبادات والكرامات الإلهية لكل سائل ومُتعبد وقائم وذاكر فى شهر رمضان .

فضل شهر رمضان

لشهر رمضان مكانة عظيمة جداً فى الإسلام , ميّزه الله عن باقى الشهور بالعديد من الأشياء الهامة فى الدين الإسلامى , هو الشهر الذى فُرِض صيامه ركن من أركان الدين الإسلامى بعد الشهادة والصلاة والزكاة والحج لقول النبى (صلى الله عليه وسلم) : ” بُنى الإسلام على خمس, شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً عبده ورسوله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وحج البيت , وصوم رمضان ” , كما توجد ليلة فى شهر رمضان العبادة بها أفضل من العبادة فى ألف شهر هى (ليلة القدر) فى العشر ليال الأخيرة من الشهر . كما شَرف الله هذا الشهر ببداية نزول القرآن والوحى على النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) حين كان يتعبد فى (غار حراء) , يقول الله تعالى فى القرآن : ” شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ” .

كذلك وقعت العديد من الأحداث الكبيرة والفاصلة فى التاريخ الإسلامى فى شهر رمضان المُعظم , بداية من (غزوة بدر الكبرى) فى العام الثانى لهجرة النبى , و(غزوة الخندق) فى العام الخامس للهجرة , و(فتح مكة) فى العام الثامن للهجرة ,( معركة حطين) وانتصار المُسلمين على جيوش الصليبيين بقيادة (صلاح الدين الأيوبى) , (معركة عين جالوت) وانتصار المُسلمين على جيوش المغول تحت قيادة (سيف الدين قُطز) , وانتصار الجيوش العربية على إسرائيل فى حرب أكتوبر عام 1973 م .

رمضان كريم

أفضل الأعمال فى رمضان

أفضل ما نقوم به فى شهر رمضان هو التقرب إلى الله بالطاعات والعبادات والإبتعاد عن عن كل ما هو قبيح و مُحّرم ، أفضل العبادة فى رمضان الصيام عن الطعام والشّراب وصيام الجوارح عن كل ما يُشين من قول الزور والغيبة وأكل الحقوق والمُشاحنات ، وقيام الليل وصلاة التراويح بعد العِشاء ، الصدقات فى شهر رمضان لها أجر وثواب يتضاعف عن باقى الشهور وإطعام الطعام بإعداد وجبات إفطار للصائمين . قراءة القرآن والتدبُر فيه والعمل بما ورد فيه تُعطى الأجر والحسنات وتُعطى الروح الطمأنينة والسَّكينة . مُلازمة المساجد والاعتكاف بها خاصة فى العشر الأواخر من الشهر من سُنن النبى (صلى الله عليه وسلم) فى الحالات العادية لو كانت المساجد مفتوحة ومسموح بذلك . العُمرة فى رمضان تُعادل أداء فريضة الحج وليلة القدر صيام نهارها وقيام ليلها أفضل من عبادة ألف شهر . يُستحب فى رمضان الإكثار من ذكر الله والاستغفار والدعاء طوال اليوم خاصة عند الإفطار ووقت السحور والثُلث الأخير من الليل ، كما يُستحب زيارة الأقرباء وصلة الأرحام وتقليل الغضب والحقد والكراهية وتصفية النفوس والقلوب من كل ما يُعكرالصيام والصفاء فى الشهر الكريم .

رمضان يأتى على الأُمّة الإسلامية هذا العام فى ظل تفشّى (فيروس كورونا) فيجزع البعض من اختفاء بعض مظاهر الفرحة والاحتفال المُعتادة كل عام فى هذا الشهر من موائد الرحمن والعزائم المُتبادلة بين العائلات والأقارب والأصدقاء على الإفطار والسحور وغياب الصلاة فى المساجد والاعتكاف بها ، مع إغلاق الكثير من دُور المُناسبات والاحتفالات وغياب السهرات الرمضانية ، لكن يبقى الشهر العظيم المُبارك بروحه الطيبة وسَمته المُعتاد وعاداته المُتوارثة بين الأجيال ، ويبقى الصيام والصلاة والقيام والذكر والاستغفار وقراءة القرآن ، وترتفع الأيادى بالأدعية وتلهج الألسنة والقلوب بالذكر لله العَلّى الكبير طالبين زوال الغُمّة وانقشاع الأزمة .

كل عام وأنتم بخير وتَقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وأعاننا على الصيام والقيام والذكر والقرآن .

أغنية رمضان جانا

السمات الكبرى للشخصية

تختلف شخصيات الناس كما تختلف صفاتهم الجسدية وأصواتهم وملامح الوجه , لكل إنسان شخصية مُتفردة تُميزه عن غيره مثل بصمة الإصبع المختلفة بين البشر . الشخصية الإنسانية شىء مميز ومتعدد الأنماط والصفات والسلوكيات الواضحة فى عمليات الشُعور والتفكير والتصرف . تنشأ الشخصية من عوامل عديدة منها الوراثة والخبرة والتجارب الشخصية , كما يؤثر المجتمع والبيئة المُحيطة فى تشكيل الشخصية وبنائها بما يوفره من ثقافة وتقاليد إجتماعية ودينية . تُشكل الشخصية أغلب الفروق الفردية بين الناس فى الإدراك والعواطف والفعل والمُعاملات . الحياة عبارة عن مجموعة من المواقف الصعبة ونضوج الشخصية يعتمد بشكل واضح على كيفية التعامُل مع المواقف الصعبة والخروج منها بنجاح أو بأقل خسائر مُمكنة .

السمات الشخصية

السمات الشخصية هى الموجه لسلوك الفرد وتوجهاته الفكرية , كلما زادت معرفة الإنسان لطبيعة شخصيته يزداد لديه الوعى والقدرة على تنمية السمات الجيدة لديه والعمل على تحسين والحد من السمات السلبية للوصول للنجاح والإنجاز . خلال السنوات الأخيرة تمكن العُلماء من تحديد السمات الشخصية الغالبة لدى البشر جميعاً والتى تتحكم فى أغلب قرارات الشخصية البشرية , تم تصنيف هذه الصفات فى خمس عناصر : ( الإجتهاد _ الانفتاحية _ الانبساطية _ القَبولية _ العُصابية ) .

السمات الخمس الكبرى للشخصية

الانفتاحية / الانغلاق

الانفتاح يعنى أن يكون الشخص مُنفتح ومُتقبل للأفكار الجديدة ويُحب تجربة ما هو جديد ويسعى للتعلُم وتعزيز المعرفة والإبداع , هو شخص مُغامر يكره الروتين وفُضولى ويُقدر الفن والعواطف ومتحرر من القيود الإجتماعية والثقافية السائدة , واسع الخيال وغير تقليدى .

على العكس نجد الشخص المُنغلق يُفضل الروتين والإلتزام بالعادات ويتجنب التجارب الجديدة ويسعى للطرق الأكثر أماناً وسلامة , هو شخص عقلانى لا يحب الخيال وغير مهتم بالفنون والإبداع .

الإجتهاد أو الضمير الحى / التوهان

الإجتهاد والضمير هو الإنضباط والدقة التى يؤدى بها الشخص مهام العمل المُكلف به والتخطيط بشكل جيد لتحقيق الأهداف , شخص يميل لتحمُل المسؤولية وإتخاذ الخطوات اللازمة للنجاح فى الحياة , يعمل بجد ويسعى إلى الكمال , يلتزم بالمواعيد ويُنظم الوقت وتكون أفعاله نابعة من منظومة مُعتقداته وأخلاقه .

فى الناحية الأخرى يوجد أشخاص يتصرفون بحرية مُطلقة ولامبالاة دون مراعاة لشىء أو شخص آخر , أكثر عفوية وتحرر يصل إلى الإهمال فى أوقات كثيرة مع عدم تنظيم أو تخطيط مُسبق وعدم إلتزام بميعاد أو وقت .

الانبساطية / الانطوائية

الانبساطية سمة تظهر فى السلوك , من يتصف بها يكون شخص إجتماعى ودود مع الآخرين , يُحب التفاعل مع الناس ويستمتع بحضور المناسبات الإجتماعية والحفلات , مُتحمس ويحب الكلام والنقاش , يُفضل بدء الحديث مع الغُرباء وصنع علاقات جديدة معهم .

فى المُقابل الشخص الانطوائى ليس لديه ميول إجتماعية , هو شخص هادىء مُتحفظ وخجول يُفضل ممارسة أنشطة بمفرده ويميل للهدوء والسكون وتواجده مع الآخرين يُسبب له القلق والتعب .

القَبولية / التنافر

من يمتلك القَبول يمتلك اللُطف والتعاطف مع الآخر ويُحب مساعدة الآخرين , طيب القلب وجدير بالثقة , يُظهر الاحترام والاهتمام للآخرين , يتعامل باللين ولا يتسم بالأنانية , مُضحى ومُهذب وحنون ومتواضع .

عدم إمتلاك القَبول يعنى أن الشخص يضع مصالحه الشخصية فوق التواصل مع الآخرين ولا يهتم بهم على الإطلاق , يشك فى دوافع الآخرين وغير ودود أو متعاون , شخص يُظهر التنافس والتحدى دائماً ويكون فى صورة المُجادل وغير أهل للثقة .

العُصابية / الاستقرار العاطفى

الأشخاص الذين يُعانون من العصبية الشديدة يميلون للمُبالغة فى ردود الفعل على كل شىء والانزعاج والغضب بسهولة , شخص مزاجى يشعر بالقلق والتوتر ويرى دائماً الجانب السلبى من كل شىء , شخص حساس يُصاب كثيراً بالتقلبات المزاجية والاضطراب والاكتئاب ويميل للبحث عن أشياء تُسبب النكد والحزن.

هناك أشخاص آخرين لديهم استقرار عاطفى وهدوء نفسى , يمتلكون مرونة نفسية كبيرة , أقل فى التعرض للقلق والتوتر والأحزان والشعور بعدم الأمان مع تقدير عالى للذات والرضا والثقة والهدوء .

الشخصية العُصابية

التغيير فى الشخصية

شخصية الإنسان تتشكل وفقاً لعوامل عديدة على مدار السنوات , لذلك يكون التغيير فى الشخصية والسمات الواضحة فيها أمر صعب وشاق , يرى عالم النفس (سيجموند فرويد) أن الشخصية تكتمل مع سن الخامسة وتبقى بعد ذلك ثابتة ومُستقرة طوال الحياة , لكن تُشير الدراسات الحديثة لإمكانية حدوث تغيرات للشخصية فى جميع مراحل الحياة رغم صعوبة ذلك . يمكن أن نُلاحظ أن بعض السمات تتغير مع التقدم فى السن مثل الاجتهاد والانبساطية والقَبولية , فيصير الشخص أكثر حزماً واجتهاداً ويميل أكثر إلى الانبساط والانفتاح . التغيير فى الشخصية يأتى من إرادة وعزيمة الأشخاص على إحداث التغيير فى حياتهم ويستلزم العمل الجاد والإنضباط وملاحظة السلوك وتعديله لمدة طويلة تصل لسنوات أو شهور .

السمات الشخصية هى الفارق الجوهرى بين كل شخص وآخر , وهى العامل الرئيسى فى النجاح والفشل فى الوصول للأهداف , الإنسان ليس كائن مثالى لكنه يجب أن يسعى للتعلُم وتحسين نفسه والوصول إلى الأفضل دائماً من خلال الإرادة والعزيمة والتحلى بروح التغيير والمُغامرة والتجريب .

الكلام الطيب

الكلمة مفتاح القلوب ورسالة الأفكار بين المُتكلم والسامع , يُمكن أن تُسر بها النفوس وتنشرح لها القلوب ويبقى بها أثر طيب لمدة طويلة , وكذلك تستطيع الكلمة أن تزرع فى نفوس الناس بُذور البغضاء والكراهية والخصام وتُغلق القلوب والأبواب وتُفرق الإخوان والأحباب . الكلمة الطيبة كالعطر جميل الرائحة يتعطر بها صاحبها وتنساب من فمه فتُعطر الأماكن وآذان المستمعين وتربت على القلوب وتُلطف الحوار , تَحصُل بها على ما ترغب فيه فتُقرب ما هو بعيد وتُيسر الصعاب وتفتح الطريق وتُذلل الأسباب لبلوغ كل الغايات والأغراض الصعبة . الكلمة تُعطى الشخص المكانة فى القلوب فترفع من تقديره أو تخفض من مكانته , وهو يملكها ما لم يتكلَّم بها فإذا خرجت من فم إنسان ملكته .

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

تأثير الكلمة فى الأديان

تَلقى الأنبياء رسالة الأديان ونقلوها للناس عن طريق الكلمة والوحى الإلهى فكانت الكُتب المُقدسة وتعاليم الأنبياء كلمات تُنير الطريق لهداية البشر للإيمان بوجود إله خالق كل شىء ومُسيطر على الكون بكل ما فيه ومن فيه من مخلوقات , انتقلت رسالات وتعاليم الأديان عبر العُصور عن طريق الكلمات المنطوقة والمكتوبة وغزت القلوب والعُقول فآمن بها عدد كبير من الناس ونشروها وطبقوها فى ما بينهم كقوانين لتسيير الحياة وما فيها .

تظهر مكانة الكلمة الطيبة فى (الكتاب المقدس) : ” الغم فى قلب الرجل يُحنيه, والكلمة الطيبة تُفرحه “(سفر الأمثال /إصحاح 12) , فى رسالة (القديس يوحنا) : ” أيها الأحباء , إن كان الله قد أحبنا هكذا , ينبغى لنا أيضا أن يُحب بعضنا بعضاً ” , من أقوال ( القديس يوحنا سابا ) : ” الكلمة الطيبة التى تقولها اليوم ستأتى بثمرها غداً ” .

فى (القرآن الكريم) آيات كثيرة عن مكانة الكلمة وقدرها والفرق بين الكلام الطيب والكلام الخبيث السىء , قال تعالى : ” إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه ” (فاطر/10) , وقال أيضا : ” ألم ترى كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ” (إبراهيم/24) , ” ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار ” (إبراهيم/26) , فى أحاديث النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) تقدير كبير للكلمة الطيبة وأثرها فى القلوب : ” والكلمة الطيبة صدقة ” , ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ” , ” اتقوا النار ولو بشِق تمرة , فمن لم يجد فبكلمة طيبة ” .

آثار الكلمة الطيبة

  • تأليف القلوب وإصلاح النفوس وجلاء الحزن والغضب .
  • إدخال السرور والسعادة والرضا وبث روح التفاؤل والطمأنينة .
  • من تمام الإيمان والتقرب إلى الله بصدقة الكلمة الطيبة .
  • دليل واضح على أخلاق الشخص الحسنة وطبعه السمح .
  • هى من أسباب تحقيق المحبة والمودة والأُلفة بين الناس .
  • من أسباب مغفرة وتكفير الذُنوب ودخول الجنة والعتق من النار .
  • من صفات الأنبياء والمؤمنين والدُعاة لكل المذاهب الفكرية والإجتماعية .
  • انتصار على كيد الشيطان وضعاف النفوس الذين يُشيعون روح السِباب والنزاع والبغضاء .
  • تقديم النصيحة والتوجيه للآخرين وهدايتهم إلى الصواب بالحكمة والموعظة الحسنة .
  • تجذب الحب من الناس أصدقاء وزملاء عمل لمن يقولها فيُصبح مصدر التفاؤل والخير .
  • توطيد الروابط الإجتماعية والصلح بين المُتخاصمين من العائلة والأصدقاء والجيران .
  • الكلمة الطيبة تجلب الرد الطيب من الطرف الآخر فتشيع روح الاحترام والود والمحبة فى المجتمع .

الكلمة الطيبة فى هذا الزمان أصبحت مثل العُملة النادرة لا يتم تداولها بكثرة وانتشرت الكلمات والأفكار الخبيثة والسِباب , أهتم الناس بجمع المال أكثر من جمع الأخلاق والحكمة والعلوم والحسنات فتهدمت الأديان وضاعت الأخلاق وتاهت الكلمات وتشوهت الأفكار .

قوة الكلمة

فى مشهد من مسرحية (الحسين ثائراً) للكاتب (عبدالرحمن الشرقاوى) يرد الحسين على من يطلبون كلمته وكأنها لن تؤثر فى شىء فيقول :

أتعرف ما معنى الكلمة ؟

مفتاح الجنة فى كلمة

دخول النار فى كلمة

وقضاء الله هو كلمة

الكلمة لو تعرف حرمه زاد مزخور

الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور

وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النُبل البشرى

الكلمة فرقان بين نَبىّ وبَغىّ

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور , ودليل تتبعه الأُمة

عيسى ما كان سوى كلمة

أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

.. فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

إن الكلمة مسؤولية إن الرجل هو كلمة , شرف الله هو الكلمة

هل تعرفون الآن ما معنى الكلمة ؟ فأكثروا من الكلام الطيب والقول اللين وابتعدوا عن الكلام الخبيث , (وقولوا للناس حُسْناً ) .

الأمراض الوبائية المشهورة

منذ بداية وجود الإنسان على الأرض شكلت الأمراض والحروب الخطر الأكبر على حياته واستمرار تكاثره على الكوكب , كما حصدت الحروب ملايين من أرواح البشر عبر التاريخ كذلك حصدت الأمراض والأوبئة أرواح ملايين الناس ومات فيها عدد أكبر من كل ضحايا الحروب العالمية . المرض هو العدو الخفى للإنسان لا يستطيع أن يُقاتله بأسلحة المعارك الحربية , لكن يمكن التغلُب عليه من خلال التجارب العلمية والعمل على تطوير الأدوية واللُقاحات الفعالة فى العلاج والحد من تفشَّى العدوى وانتقالها من شخص لأخر فيصبح الخطر أكبر ويتحول المرض إلى وباء محلى أو عالمى كما حدث مع عدد كبير من الأمراض التى صُنفت وباء عالمى وقتلت أعداد كبيرة من البشر والحيوانات فى دول العالم طوال السنوات والقرون الماضية .

الطاعون

يُمكن اعتبار الطاعون أول وباء عالمى قوى على الأرض , ظهر عام 165 ميلادى وانتشر فى جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية , كانت أعراضه تتمثل فى الإسهال الأسود والسُعال الكثيف , الرائحة الكريهة للتنفس مع ظهور طفح جلدى أسود وأحمر فى جميع مناطق الجسم , استمر فى الانتشار حتى عام 180 ميلادى وكان عدد الوفيات يُقارب 5 ملايين شخص من بينهم الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) والعديد من جنود الجيش الرومانى مما ساهم فى نهاية الإمبراطورية الرومانية .

ظهرت موجة جديدة من الطاعون ما بين عام 1346 إلى عام 1353 , أطلق عليها الناس لقب (الطاعون الأسود) وانتشرت بضراوة فى جميع قارات العالم القديم أوروبا وآسيا وإفريقيا , يُرجح أن المرض انتشر عن طريق براغيث الفئران المُصابة على متن السُفن التجارية وتحولت للدغ البشر بعد وفاة الفئران فنقلت لهم المرض , كانت جائحة المرض شديدة ووصلت تقديرات الوفاة إلى ما بين 100 أو 200 مليون شخص .

ضيق التنفس فى الأمراض الصدرية

الجُدَرى

ظهر مرض الجُدَرى فى القرن الخامس عشر وانتقل بشدة فى القرن السادس عشر بعد وصول الأوروبيون إلى قارة أمريكا , هو مرض فيروسى تظهر له أعراض فى ارتفاع الحرارة وآلام فى العضلات والجسم وصداع ثم تظهر خُراجات فى الفم وبثور صغيرة كثيفة على الجسم كله , البثور لا تزول وتُمثل تشوهات فى الجسد ويمكن أن يتسبب فى العمى فى بعض الحالات المُصابة , هو من الأمراض القاتلة حيث حصد أرواح من 300 إلى 500 مليون شخص فى القرن العشرين فقط , لكن لحسن الحظ تم الإعلان عن إختفاء المرض والقضاء عليه تماماً بعد تطوير لُقاح فعال ضده فى عام 1980 ولم تُسجل حالات جديدة بعد ذلك .

مرض الحصبة

مرض فيروسى يُصيب الأطفال غالباً وينتقل عن طريق الرذاذ فى السُعال أو العُطاس , يظهر على الجسم فى صورة طفح أحمر على الجلد وأعراض تُشابه نزلات البرد الشديدة مع ظهور بُقع بيضاء داخل الفم , أفضل طُرق الوقاية من مرض الحصبة هى تلقى اللُقاح التحصينى من المرض فى فترة الطفولة , يُمكن أن يُسبب مضاعفات مثل الإسهال والتهاب الرئة والتهاب الأُذن الوسطى , من أكثر الأمراض التى انتشرت فى السابق فى قارة أمريكا الشمالية والجنوبية ومن أسباب تدمير حضارة الإنكا حيث بلغت الوفيات بهذا المرض أكثر من 200 مليون شخص .

الجُذام

مرض مُعدى ومُزمن , يأتى من بكتيريا (المُتفطرة الجُذامية) , يُطلق عليه اسم (مرض هانسن) نسبة للطبيب الذى اكتشف البكتيريا المُسببة للمرض , يؤثر على الأعصاب والأطراف والجلد والجهاز التنفُسى والعينين ويُسبب ضعف العضلات والتشوه فى الجسم كله . غالباً يعيش الأشخاص المُصابون بالجُذام فى أماكن للحجر الصحى لمنع انتشار المرض , العدوى تنتقل مع السُعال والعطس من الشخص المُصاب ولا تنتقل باللمس .

الكُوليرا

هو أشهر مرض فى القرن التاسع عشر وشهد ستة موجات انتشار كبيرة وبائية لمرض الكوليرا بداية من عام 1817 , تحول من مرض محلى مُنتشر فى الهند إلى وباء عالمى وصل إلى جميع دول العالم بسبب تطور أدوات النقل والسفر وسوء الظروف الصحية , تنتشر البكتيريا المُسببة لمرض الكوليرا عن طريق الماء والغذاء الملوث , ويُسبب أعراض القىء الشديد والإسهال والتشنجات والتقلصات والجفاف الشديد مما يُعرض للوفاة بعد فقد الجسم للسوائل والأملاح فى غضون ساعات قليلة . ساهم التقدم العلمى والعُمرانى فى تحسن وسائل وخدمات الصرف الصحى وأصبحت حالات الكوليرا نادرة فى الدول الكبيرة لكن المرض لا يزال يُمثل خطر على الدول الفقيرة وتتخطى حالات الوفاة بالكوليرا فى العالم كل عام 100 ألف شخص حسب تقديرات مُنظمة الصحة العالمية .

ارتفاع الحرارة من أعراض الأمراض الوبائية

مرض السُّل (الدرن)

من الأمراض التنفُسية الذى تُسببه بكتيريا تُصيب الرئتين وينتشر مع الرذاذ فى السُعال والعطس والمُصافحة والتقبيل , من أعراضه السُعال المستمر المصحوب بالدماء وألم فى الصدر مع فُقدان الوزن والشهية والحُمى والتَعرق والخمول . فى القرن التاسع عشر قضى مرض السُّل على ربع سكان أوروبا وتم تسميته (الطاعون الأبيض) , رغم أساليب العلاج الحديث لا يزال المرض يؤثر على 8 ملايين شخص كل عام وتصل الوفيات بالسُّل كل عام بين مليون و2 مليون شخص سنوياً .

الملاريا

من الأمراض التى تأتى من الطُفيليات والميكروبات المنتقلة عبر لدغات البعوض ومنها بعض الفصائل الفيروسية كذلك , ينتشر المرض حول المياه الراكدة , تُعتبر قارة إفريقيا أكثر قارة فى نسبة الإصابات بمرض الملاريا حول العالم , إذا لم يتم علاج المُصاب خلال 24 ساعة تؤدى لأعراض شديدة تتسبب فى الوفاة فى أغلب الحالات . انتشر هذا الوباء أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية وقتل حوالى 100 ألف جُندى , يُسبب الحُمى والقشعريرة وأعراض تُشابه الإنفلونزا , لا يزال مرض الملاريا من أخطر الأمراض فى العالم حيث يوجد ما يُقارب 200 مليون مُصاب وتتجاوز الوفيات نصف مليون شخص كل عام .

الإنفلونزا الإسبانية

فى نهاية الحرب العالمية الأولى وبالتحديد فى شهر مارس عام 1918 ظهرت حالات وفيات كبيرة بين المدنيين والعسكريين وتم أكتشاف أخطر مرض وبائى فى القرن العشرين , أطلق عليه البعض لقب ( الإنفلونزا الإسبانية) والبعض الأخر (الإنفلونزا العُظمى) أو (إنفلونزا 1918) , يشتبه العلماء فى أن المرض انتقل من الطيور إلى الإنسان , ثم انتقل بسرعة شديدة مع الجُنود العائدين من الحرب إلى بلادهم , كانت أعراضه تُشبه أعراض الإنفلونزا الموسمية العادية مثل الحُمى والغثيان والألم والإسهال وبعض الأوقات بُقع سوداء على الخدين , وتعرض الأشخاص المصابين للموت بسبب نقص الأُكسجين وامتلاء الرئتين بالسوائل , كانت إسبانيا من أكثر الدول تأثراً بالمرض وأُصيب به الملك الإسبانى (ألفونسو الثامن) لفترة من الزمن . كانت الوفيات مُعظمها فى فئة الشباب بين 20 إلى 40 سنة , انتشر المرض بشدة ولم ينجح الأطباء فى الوصول لعلاج حتى أصاب ثُلث سُكان العالم , وبلغت الوفيات حوالى 50 مليون شخص وفى تقدير آخر 100 مليون شخص , قبل أن ينتهى المرض فى صيف عام 1919 ليُسجل نفسه فى التاريخ كأقوى مرض وبائى فى الإصابات والوفيات .

العالم يواجه خطر انتشار أحد الأمراض الوبائية الآن هو (فيروس كورونا) الذى تخطت عدد الإصابات به مليون شخص ووصلت الوفيات لأكثر من 60 ألف شخص حول العالم , والكل يرجو ويتمنى ويتوجه بالدعاء أن ينتهى المرض سريعاً ويزول الخطر ويعود العالم لحالة الهدوء والسلام والطمأنينة .

غسل اليد جيداً لمكافحة انتشار الفيروس