الإسكندر الأكبر ابن الآلهة

ولد الإسكندر الأكبر فى بيلا بمقدونيا،صيف عام 365 ق م . وقد جاء خبر ولادته إلى والده الملك المقدونى فيليب فى الوقت الذى أتم فيه انتصاره على أعدائه الثراسيين فى بوتيديا. كان فيليب قد تزوج فى نفس العام الذى تولى فيه حكم مقدونيا من أميرة شابة وجميلة هى أوليمبيا ابنة ملك إيبروت وأم الإسكندر .يُلاحظ أن الإسكندر الأكبر قد انحدر من نسل أبيه عن بطل الميثولوجيا الاغريقية القوى (هرقل) ، وعن طريق أمه عن (آخيل) بطل (إلياذة هوميروس) ورمز القوة والجمال عند الأغريق . تلقى الإسكندر تعليمه على يد (ليونيداس) و (ليزيماخوس) ثم أرسله الملك فيليب ليتعلم على يد (الفيلسوف أرسطو) لمدة 3 سنوات بمعبد الحوريات فى ميزا، حيث تعلم الفلسفة والشعر والمسرح والعلوم والسياسة . بدأ الاشتراك فى الحرب وهو فى سن السادسة عشر ونجح فى إخماد ثورة المادووين وأنشأ فى بلادهم مدينة جديدة (الكسندروبوليس) عام 340 ق م . تولى الإسكندر قيادة مقدونيا وبلاد اليونان بعد قتل فيليب على يد (بوزانياس) عام 336 ق م وكان فى العشرين من عمره . لاحظ المؤرخون براعة الإسكندر الحربية والتنظيمية والقيادية فى جميع حملاته العسكرية منذ الحملة الأولى فى شمال شرق مقدونيا، فرجحوا لذلك أن حياته القصيرة قد خلت من التَدرج والتَمرُس الطبيعى الذى يمر به الإنسان عادة . خلال 15 عام من الغزوات والحروب فى جميع أنحاء العالم لم يُقابل الإسكندر أى هزيمة أبداً .

شخصية الإسكندر

نشأ الإسكندر عنيداً وطموحاً يرفض القيود ولديه ثقة كبيرة فى نفسه ،وكان والده فيليب واسع الصدر ومتفهم لأحواله النفسية فلاحظ أن ابنه لا يستسلم للأوامر إلا مُرغماً لكنه يقبل النقاش ويستمع لصوت العقل . لم ينغمس الإسكندر فى الجنس والملذات كالأكل والشراب والموسيقى كثيراً وإنما كان فيها كلها شديد الإعتدال. كان لدى الإسكندر رغبة كبيرة فى الحصول على المعرفة وإقبال كبير على القراءة ، ويعود الفضل فى ذلك إلى مُعلمه أرسطو الذى أهداه أَحب الكتب إلى نفسه (إلياذة هوميروس) وذيلها له بشروحه ، وقد أخذ الإسكندر الإلياذة معه فى كل مكان ذهب إليه وكان يضعها بجوار وسادته ويقرأ منها كل ليلة قبل النوم. ظهر على الإسكندر عشقه للتحدى والانتصار منذ صباه حينما تمكن من ترويض حصان وحشى لم يستطع أحد الاقتراب منه ورفض الجميع شرائه ،وأطلق على حصانه اسم (بوكيفالاس)الذى لازمه بعدها فى جميع غزواته وعندما مات (بوكيفالاس) عام 326 ق م أطلق الإسكندر اسمه على مدينة أنشأها فى البنجاب . من خصال الإسكندر المشهورة الطبع الحاد المُتقلب والتهور والاندفاع مع العناد الشديد والتصلُب فى الرأى مع الترحيب بالنقاش والاستماع له لو كان منطقياً ولعب ذلك كله دور كبير فى اتخاذه لجميع القرارات . سعى الإسكندر دائماً خلف المُثل الهومرية العُليا مثل الشرف والمجد والتضحية وتمتع بالجاذبية والشخصية القوية والقدرة الفذة على الإقناع . وقع الإسكندر فى حالة من جنون العظمة والحزن فى آخر سنوات حياته خاصة بعد وفاة صديقه الحميم (هفاستيون)،وبعد تحقيقه لإنجازات عظيمة فى فترة قصيرة من هزيمة الفُرس وإخضاع الشعوب لسلطته فبدأ فى اقتباس بعض العادات الفارسية مثل إصراره على أن يقوم الجنود وقواد الجيش على السجود له وتقبيل يده وارتدى ملابس شبيهة بالملابس الفارسية ،كما استحدث وجود (مُنادى) يُعلن عن قدوم الضيوف لمجلسه وأنشأ جناح للحريم السلطانى كعادة ملوك بلاد فارس، وبعد أن تم تنصيبه ابن للإله (آمون) فى معبد آمون بواحة سيوة أطلق على نفسه لقب (ابن زيوس/آمون) .

الإسكندر الأكبر فى معركة نهر جرانيكوس

الإسكندر الأكبر فى مصر

احتل جيش الإسكندر فى ديسمبر عام 332 ق م رفح ثم العريش وبعد 7 أيام وصل الإسكندر إلى هليوبوليس (عين شمس) وبعدها منف ، كانت مصر فى غيبة حاكمها (سباكس) الذى قُتل فى (إيسبوس) فسلمها نائب الحاكم (مزاكس) للإسكندر بكل ما فيها من أموال وتحف وقصور. تم تتويج الإسكندر فى منف بلقب (فرعون) على مصر، وألبسه الكهنة تاج الوجهين القبلى والبحرى ، وأعقب ذلك حفل رياضى وموسيقى أغريقى حضره أغريق ومصريون . رحب المصريون القدماء بالإسكندر كمحرر ومُخلص لمصر وكعادتهم فى استقبال كل حاكم جديد ، كما أن علاقتهم بالفرس كانت سيئة لتسلطهم بالعنف والقسوة على أهل مصر، واساءتهم إلى الكهنة . وكذلك حاول الفُرس القضاء على الديانة المصرية القديمة وإدخال آلهتهم إلى مصر فى عهد (قمبيز) . نظر المصريون القدماء للأغريق كأبناء ديانة وثقافة واحدة ، كما كان الأغريق القدماء يعترفون أن مصر أصل الحضارات وأن المصريين أول من وضع قواعد العلوم والثقافة ، وذكر (هيرودوت) أن الأغريق أخذوا عن المصريين السنة الشمسية والآلهة الاثنى عشر ، ونحت التماثيل والمعابد والمذابح .

قضى الإسكندر الشتاء فى منف وقام بتنظيم شئون مصر فى السياسة والإدارة فقسمها إلى ثلاث سلطات مختلفة حربية ومدنية ومالية ، بعدها تحرك من منف على ظهر سفينة فى فرع النيل أقصى غرب الدلتا ووضع أساس مدينة الإسكندرية فى 21 يناير عام 331 ق م وأراد لها أن تكون ميناء هام لنقل خبرات مصر إلى بلاده وحلقة وصل لربط الموانىء الأغريقية فى البحر الأبيض المتوسط . يذكر (بلوتارخ) أن الإسكندر اختار موقع الإسكندرية بعد أن ظهر له (هوميروس) فى صورة شيخ وقور فى حلم أحد الليالى وأرشده للمكان المناسب .كلف الإسكندر المهندس الروديسى (دينوقراط) بتصميم المدينة ونفذ التصميم مهندس مدينة نقراطيس (كليومينيس) . تملكت الإسكندر بعد ذلك رغبة شديدة فى زيارة معبد آمون فى سيوة فترك الإسكندرية متجهاً ناحية الغرب حتى وصل (مرسى مطروح) ومنها جنوباً إلى واحة سيوة حيث معبد آمون . بعد أن دخل الإسكندر معبد آمون طلب الانفراد بالوثن ووجه له سؤالين محددين ، هل أقتص تماماً لمقتل والده فيليب؟ ، هل سينجح فى فتح آسيا ويُصبح سيداً عليها؟ . عندما خرج الإسكندر من المعبد قال أن إجابات آمون على الأسئلة قد سرته، بعد زيارة سيوة أطلق الإسكندر على نفسه لقب (ابن آمون/زيوس) وظهرت صور تُمثله وقد حمل فوق رأسه قرنين مُشابهين لقرون الكبش المصرى الذى يُمثل الإله آمون فى مصر . عاد بعد ذلك إلى منف وبقى فيها شهران ثم غادر مصر فى ربيع عام 331 ق م متوجها إلى سوريا .

الإسكندر يهزم راجا فى معركة هيداسبوس

أسطورة الإسكندر

نجاحات الإسكندر وانتصاراته المُتتالية ساعدت بصورة كبيرة فى رواج الكثير من الأساطير والخرافات والأخبار المغلوطة عنه فظهر فى صورة خيالية فى الكثير من الكتب والأعمال الفنية والحكايات المُتناقلة بين الناس منها أن الإسكندر قد عقد اتفاقاً مع الآلهة رضى فيه بالعمر القصيرالذى عاشه مُقابل الخلود والمجد بعد الوفاة ، كما أن من ذهبوا لتكفين الإسكندر قد خافوا من لمس الجسد ظناً منهم أنه ليس من البشر. تردد عن الإسكندر بعد وفاته أن له علاقات نسائية عديدة وأنه كان على علاقة بنساء الأمازون وقد حاربوا فى صفوف جيشه ، كذلك أنه غطس فى أعماق المياه وقدمت له الأسماك فروض الولاء والطاعة ، واعتبره البعض أنه قديس مسيحى يستطيع الصعود إلى السماء . عند العرب تم تلقيب الإسكندر باسم (ذى القرنين) ، وقال البعض أن أرسطو كان وزير الإسكندر وأنه أعطاه صندوق سحرى به أشكال أعدائه من الشمع حتى يتخلص منهم بسهولة وكذلك أعطاه (الحجر العجيب) و(نهر الخلود) . انتشرت الأقوال عن وجود علاقة جنسية بين الإسكندر وخصى فارسى يُدعى (باجواس) ،وعن علاقة مُماثلة بين الإسكندر وصديقه (هيفاستيون) . كما أشار البعض إلى أن الإسكندر أراد توحيد الآلهة فى إله واحد هو آمون أو (زيوس/آمون) .

تم تقديم أعمال أدبية كثيرة عن الإسكندر مثل الملحمة الفرنسية (الإسكندرينى) ترجمها إلى الإنجليزية (دريتون) ، ودراما الشاعر الفرنسى (جان راسين) (الإسكندر الأكبر) عام 1665 م ، كذلك دراما الشاعر والسياسى الإنجليزى (جون ليلى) (الإسكندروالكامباسب) ، كما تم إنتاج فيلم سينمائى فى هوليوود عن حياة الإسكندرفى عام 2004 م لعب فيه الممثل (كولين فاريل) دور الإسكندر الأكبر .

حفل زفاف الإسكندر

توفى الإسكندر فى بابل يوم 13 يونيه عام 323 ق م بعد أصابته بالحمى الشديدة لأيام ، وعمره 32 عاماً و8 شهور ، وأصبح (بيرديكاس) وصياً على ابنه المُنتظر من زوجته الأولى (روكسان) ، تم نقل جثة الإسكندر فى عربة جنائزية إلى منف لدفنه فى سيوة لكن بعد بناء مقبرته فى الإسكندرية تم نقله لها ، ولا يزال مكان مقبرة الإسكندر مجهول حتى الآن لكنه ترك تاريخ عظيم وكبير يَصعُب على أى شخص تجاهله أو عدم الإعجاب به وتقديره .

نُرشح لك للقراءة : آلهة الحضارة اليونانية والرومانية القديمة

المراجع

  • كتاب الإسكندر الأكبر عن دراستى (فوكس وبيرن)
  • شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)