الجهل والعداء

المعرفة سلاح الإنسان ضد الخوف من المجهول، والإنسان بطبعه عدو لكل ما يجهل فى الحياة حتى لو كان فيه النفع العظيم له ، من الشجاعة أن نحاول أولاً فهم ما نجهله قبل الحكم عليه بشكل سلبى أو إيجابى . قد يأتى الخوف والعداء لكل ما هو جديد لأننا لا نملك الإدراك بالنتائج المترتبة للمشاركة فى إكتشافه ولذلك نُفضل الابتعاد عنه خشية وقوع نتائج سيئة لنا، ونُفضل التعامل مع ما نعرفه ونفهمه لضمان النتيجة مُسبقاً . سوء الفهم والجهل قد يصنع الشجار والبغضاء فى كثير من المُناقشات والحوارات اليومية العادية ،فالعديد من الناس يشعرون بالحرج والخوف من السؤال عن معنى كلمة أو مُصطلح غير معروف بالنسبة لهم خشية أن يتم وصفهم بالجهل ، ربما يدفعهم هذا الخوف من إلقاء السؤال للعداء الشديد تجاه الكلمات والمُصطلحات الجديدة ومن يُرددها من الناس دون وعى بحقيقة الكلمة والمُصطلح ودون إلمام كافى بالموضوع المطروح للمُناقشة .

لا يجب أن يشعر الإنسان بالحرج من السؤال عن ما يجهل لأن السؤال هو مفتاح المعرفة الإنسانية ، ولا يجب أن نتكبر عن طلب العلم والمعرفة أو أن نتحرج من السؤال بدلاً من إتخاذ رأى سلبى ومُعادى تجاه كل ما هو جديد من الأفكار والأشخاص المختلفين فكرياً وسلوكياً عن طبيعتنا ، قد يكون العقل البشرى قاصر بعض الوقت عن فهم طبيعة وفكرة بعض الأشياء ،لكن مع بذل الجهد والوقت اللازم للتعلم والمعرفة يمكن أن يُدرك بواطن الأمور ويصل إلى حقيقة الأشياء مما يُقرب من وجهات النظر المختلفة ويمنع سوء الفهم والمُشاحنات .

السؤال سر المعرفة

عداء كل جديد

يمر الزمن وتسير عجلة التطور الإنسانى فيكتشف الإنسان أشياء جديدة ويخترع آلات ووسائل مُتطورة تُمكنه من العيش بطريقة أفضل وتجعل إيقاع الحياة أسرع وأكثر رفاهية من الماضى، لكن دائماً تقف أفكار الغالبية من الناس فى موقف العداء من كل شيء جديد يظهر حتى قبل تجربته وإدراك مزاياه وعيوبه . الأمثلة كثيرة فى التاريخ على إختراعات مهمة فى تاريخ البشرية تم مُهاجمتها ورفضها فى بداية ظهورها ثم أصبحت بعد ذلك من أساسيات وضروريات الحياة ، فعندما نجح (الأخوان رايت) فى صنع أول طائرة عام 1903 م تم تجاهلهم من الصحافة والإعلام وقالت إحدى المجلات العلمية عن اختراع الطائرة أنه خدعة ومن المستحيل أن يطير جسم أثقل من الهواء . عندما أخبر (توماس إديسون) مكتب براءة الإختراع الأمريكى أنه يحاول صناعة المصباح الكهربائى ،كان رد مدير المكتب بأنها فكرة مستحيلة وغبية وأن الناس يكتفون بضوء الشمس كل يوم . وكذلك ما حدث مع (ألكسندر جراهام بل) عندما عرض اختراع التليفون على شركة للاتصال والتلغراف كان ردهم أن هذا الاختراع يحتاج تقاطعات عديدة ومستحيل أن يتم استخدامه على نطاق كبير ،بعدها عرض اختراعه فى لندن على مكتب البريد ورفض المكتب اختراعه بحجة أنهم لديهم عدد كبير من الأولاد يعملون فى توزيع البريد . بالقياس على كل ما سبق تم كذلك رفض جميع وسائل المواصلات فى بداية ظهورها مثل السيارة والقطار ، وجميع الأجهزة الإلكترونية مثل الراديو والتلفزيون والكمبيوتر والكاميرا والسينما والهاتف المحمول .

المذهب الحنفى والتجديد

أشهر أمثلة الرفض والعداء لما هو جديد عند العرب والمسلمين حدثت فى عهد (محمد على باشا) حاكم مصر عندما قام ببناء المسجد الكبير واستخدم طريقة حديثة على عصره فى نقل المياه للمسجد عن طريق أنابيب يتم التحكم فيها بالفتح والإغلاق بواسطة آلة جديدة سوف يتم تسميتها بعدها (الحنفية) ، وبعد علم من يعملون بمهنة السقا بوجود هذا الاختراع وخوفهم من تعميمه مما سيعرضهم لفقد مصدر رزقهم قاموا بإقناع بعض العلماء بإصدار فتوى تحريم استعمال الاختراع الجديد بحجة أن الماء يجب أن يكون جارياً وأن (الحنفية) توقف الماء مما يجعله فى حُكم الماء الآسن غير الصالح للإستخدام وأنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار ، لكن تصدى علماء (المذهب الحنفى) لذلك وأفتوا بجواز استخدام الاختراع الجديد مستندين للقاعدة (الأصل فى الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم) لذلك تم تسميته (الحنفية) نسبة للمذهب الحنفى الذى انتصر للتجديد والحداثة .

الجهل والتَعصُب

على الجانب الآخر يقف العلم والتطور كحل لمشكلات الفرد والمجتمع وهو القادر على إخراج المجتمعات من ظلام الجهل إلى التطور والإنفتاح على الثقافات المختلفة والحلول الحديثة والمبتكرة لجميع الأزمات التى تُقابله ، العلم يُعزز قيمة الأخلاق والتسامح مع النفس ومع الآخر مما يزيد روح الأُلفة والمحبة والتفاهم فى المجتمع . يجب أن تعلم أن أهم خطوات نبذ التَعصُب والكراهية فى المجتمع هى المعرفة والتواصل مع الآخر وأن الجهل وضيق الأفق هو بالتأكيد أشد أعداء الإنسان والإنسانية .

العنصرية ووهم التَميُز

تطور الإنسان وصنع الكثير من الإبتكارات والإختراعات العلمية الحديثة التى ساعدته على بناء الحضارة الإنسانية لكن بقيت فى العقول والقلوب رواسب من العنصرية والتمييز من الفكر البدائى تُسيطر على رؤيته وعلاقته بالآخر المُختلف عنه بأى شكل من أشكال الاختلاف . العنصرية هى التمييز والتحقير فى الفكر والمُعاملة والقوانين والممارسات بين الناس على أساس الجنسية أو اللون أو الدين والجماعة أو العرق أو نوع الجنس (ذكر وأنثى) أو الانتماء القومى ، وتصل فى بعض الأوقات إلى حد التمييز فى اللغة والثقافة والطبقة الإجتماعية (أغنياء وفقراء) .

خطورة العنصرية أنها تُبرر معاملة الشخص الآخر بطريقة دُونية ومختلفة وتُحرض على إستخدام العنف والإيذاء بكل الطُرق بداعى التفوق والتَميُز ووجود فروق بين الناس من خلال الوراثة والقدرات الجسدية والعقلية لانتمائهم لجماعة أو طائفة أو عرق أو دولة ، وتسمح للأشخاص بفرض هذا التمييز بالقوة على الآخرين وإجبارهم على قبوله كأمر واقع وحقيقى . وتُعد العنصرية من أكبر أسباب جرائم الكراهية المنتشرة فى العالم والتى لا يكاد يخلو منها مجتمع أو دولة من دول العالم ، وتُلقى بظلالها على انقسام الشعوب وكثرة محاولات الاستقلال وخروج المُظاهرات وأعمال الشغب والعنف ، كما تظهر محاولات عديدة للحد من هذه الظاهرة بمُناقشة وإقرار القوانين وإقامة المؤتمرات الداعية لمناهضة العنصرية والتمييز ورفع شعارات المساواة والعدالة بين جميع البشر .

أشكال العنصرية والتمييز

للعنصرية أشكال كثيرة تبدأ من التعالى وتجنب الاختلاط وتصل لمحاولة الإيذاء والقتل لأسباب عنصرية ، قد تكون عنصرية مباشرة تظهر فى التعامل والسلوك بين الناس بسبب اللون أو الديانة أو العرق ، وكذلك عنصرية غير مباشرة بفرض قواعد وشروط وقوانين لصالح فئات مُعينة وتضر وتظلم فئات أخرى . ترتكز العنصرية فى تطبيقها على بعض المجالات الهامة فى الحياة مثل السياسة والقوانين التى تعمل على عزل بعض الجماعات من البشر على أساس الاختلاف والتفرقة فى المُعاملة ، كذلك تلعب الأيديولوجية والأفكار المُسيطرة فى المجتمعات دور كبير فى صور العنصرية والتمييز فيها من خلال الأديان والأعراق والطوائف ، ويمكن أن يُشكل التعليم والثقافة نوع من العنصرية تجاه الطبقات الأقل حظاً فى الحصول على التعليم والثقافة . تؤدى العنصرية الواضحة فى بعض الدول والمجتمعات لرد فعل عكسى فتظهر عنصرية من طبقات الأقليات والطبقات المُستضعفة والمظلومة ضد الطبقات الأخرى وتنغلق على نفسها لتكوين مجتمع وحياة خاصة بها وترفض المشاركة والانخراط فى الحياة العامة السائدة لتجنُب مظاهر التمييز . كماتقوم بعض الدول والحكومات بوضع بعض القواعد والقوانين للتمييز لصالح فئات الأقلية والأكثر ضعفاً وفقراً للحد من ظاهرة العنصرية وإصلاح الخلل الإجتماعى واستقرار المجتمعات .

الأطفال لا تعرف العنصرية

أمثلة وصور العنصرية فى التاريخ

أفكار العنصرية والتمييز سائدة فى الفكر الإنسانى منذ العصور القديمة ، كان الرومان واليونانيون القدماء يظنون أنهم شعب الله المختار وسادة الأرض وأن غيرهم من البشر (البَرابِرة) خُلقوا لخدمتهم لذلك أقروا نظام الرَّق والعبودية ولم يكن للعبيد حقوق سياسية أو إجتماعية . كما كان العرب فى الجاهلية يتفاخرون بالأنساب فيرفع كل منهم شأن قبيلته وبلده ويُطلقون على غيرهم لقب (العَجَم) لعدم المعرفة باللغة العربية ويرفضون الزواج من غير العرب ، وكانت تجارة الرقيق والعبودية من أكثر الأشياء رواجاً فى هذا العصر . ظلت العبودية وتجارة العبيد مع ظهور الأديان وأقرت الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام ذلك لكنها حاولت وضع بعض الضوابط والقوانين لتحسين وضع العبيد ومحاولة تحريرهم من العبودية . يُعد إكتشاف أمريكا من أكثر الأحداث المُرتبطة بالعنصرية بعد إبادة سكانها الأصليين من الهنود الحُمر وجلب العديد من العبيد من أصحاب البشرة السوداء للعمل بها على يد شعوب أوروبا المُستعمرين . كما يذكر التاريخ نظام الفصل والعزل العنصرى ضد السود فى جنوب إفريقيا كمثال من أكثر أمثلة العنصرية والتمييز فى العالم ، ومعها العنصرية ضد اليهود والأجناس المختلفة فى عصر ألمانيا النازية بقيادة (هتلر) . هناك العديد من مظاهر العنصرية فى الإمبراطورية العثمانية ضد المسيحيين من كل الطوائف وحدثت (مذابح الأرمن ومذابح اليونانيون) واضطهاد العرب واستعمار أراضيهم . قامت الصهيونية بالعديد من مظاهر العنصرية ضد العرب والفلسطينيين منذ بداية الصراع العربى مع فكرة قيام دولة يهودية على أرض فلسطين العربية . نمت روح العنصرية والتعصب ضد العرب والمسلمين فى أمريكا وأوروبا بعد أحداث 11 سبتمبر فى ظاهرة يسميها البعض (الإسلاموفوبيا) .

ضد العنصرية

العنصرية ظاهرة خطيرة تُهدد بقاء واستقرار الدول والمجتمعات وتُنذر باِشتعال العنف وحدوث الخراب فى كل الأوقات ، وعلى جميع الدول والمؤسسات الدولية التكاتف والعمل معاً لنبذ العنصرية والتمييز بكل الأشكال والطُرق الممكنة لمعالجة الخلاف والنزاع بين الجماعات والطوائف المختلفة فى المجتمعات ، مع تشريع القوانين والقواعد للوصول لتحقيق العدل والمساواة بين الجميع فى المجتمع ، استخدام أجهزة الإعلام والإتصال والتواصل الإجتماعى للتأثير فى الأشخاص لنبذ العنصرية والتمييز والتعصب . هناك دور كبير للأسرة ومؤسسات التعليم والتربية لغرس قيم حب الآخرين ونبذ التعصب والتفاخر ، وكذلك المؤسسات الدينية والثقافية بما تطرحه من أفكار تدعو للتسامح والمساواة بين البشر . تقوم المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بعقد مؤتمرات كثيرة لمناهضة العنصرية والتمييز ونشر الكثير من الكتب والدوريات لبيان خطر العنصرية فى العالم ، مع ضرورة تجريم العنصرية والتمييز بكل أشكاله وفرض عقوبات قوية على كل من يمارس العنصرية أو يدعو لممارستها بأى طريقة .

ضد العنصرية والتمييز

يحتفل العالم باليوم الدولى ضد العنصرية فى يوم 21 مارس من كل عام فى ذكرى الأحداث التى وقعت فى (شاريفيل/جنوب إفريقيا) بعد مقتل 69 من الأشخاص برصاص الشرطة فى مظاهرة سلمية ضد قوانين المرور عام 1960 ، مما أدى بعد ذلك لنهاية الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا . لو نظر كل شخص داخل نفسه نظرة موضوعية صادقة سيجد أن بها بعضاً من العنصرية والتمييز لكن بنسبة تختلف عن شخص آخر ، لو أنك لا تُصدق هذا فيجب أن تتوجه بالسؤال لنفسك : هل ستوافق لو تقدم للزواج من أختك أو ابنتك شخص من دين آخر أو أسود أو رجل فقير أو من عائلة غير معروفة ؟!

الجميع يحمل بذور وروح العنصرية والتعصب ولا يعترف بذلك لكنها تظهر فى الأفعال والسلوك والمواقف ، ويجب أن نتحلى بالشجاعة اللازمة للاِعتراف بذلك ومواجهته بقوة وحسم وتطهير النفوس والأفكار من التمييز والتعصب والبُعد عن الغرور والتفاخر ، فلا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى ، ولا يصير الإنسان أفضل من غيره إلا عن طريق العمل الصالح والعلم النافع ونفع الآخرين .

نرشح لك للقراءة : التنمر المجتمعى

التفاهة كنز لا يفنى

التفاهة وغياب المعنى أصبحت من سمات الكثير من الأعمال المُنتجة والأفعال الصادرة عن المؤسسات والأفراد حول العالم ، حتى أن من يُفكر قليلاً يُمكن أن يلاحظ أن العالم يتجه بقوة ناحية التفاهة حيث يتم التقليل من قيمة الأشياء الجادة من علوم وسياسة وثقافة وتاريخ لصالح الاهتمام بالأفكار الرديئة مثل جلب الشهرة والأموال بأى طريقة ممكنة ، وما يُصاحب ذلك من بناء الوعى المُجتمعى والفردى على قيم الرداءة والابتذال والانحطاط وغياب الضمير . التفاهة فى جوهرها تُمثل النقص فى الإبداع والأصالة وانخفاض قيمة الأشياء والأشخاص وانعدام الأهمية والكفاءة . صنعت وسائل التواصل الإجتماعى والتطبيقات الحديثة أرض خصبة للتفاهة والتافهين وأعطتهم فُرصة ذهبية لممارسة التفاهة بشكل واضح ومُباشر على المَلأ والوصول للجماهير حتى لو كان ذلك بتقديم مُحتوى هزلى ورَدىء بدون ضوابط إجتماعية وأخلاقية .

نظام التَّفاهة

يُعبر الفيلسوف الكنَدى (آلان دونو) الذى يعمل أستاذاً للفلسفة والعلوم السياسية (جامعة كيبيك/كندا) فى كتابه (نظام التفاهة) المُترجم بواسطة الدكتورة (مشاعل عبدالعزيز الهاجرى) (كلية الحقوق/جامعة الكويت) عن فكرة أساسية مغزاها أن العالم يعيش فى فترة لم تحدُث من قبل فى التاريخ بعد سيطرة التفاهة والتافهون على جميع المراكز والمناصب الهامة فى الدول كلها وما تبع ذلك من مظاهر الرداءة وانحطاط المعايير واختلال قيم الجودة فى العمل والذوق العام ، مما يؤدى لظهور جيل كامل من الجاهلين ومُحبى التفاهة ، يقول (آلان دونو) :

“يدعم التافهون بعضهم بعضاً، فيرفع كل منهم الآخر لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار ، لأن الطيور على أشكالها تقع . ما يُهم هنا لا يتعلق بتجّنب الغباء ، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السُلطة “.

كما يرى أن النجاح فى نظام التفاهة يأتى بعد أن (تلعب اللُعبة) بدون قواعد مكتوبة أو نصوص لكن يعرفها الجميع ويعمل بها ، ينصح ويقول :

“لا تكن فخوراً أو روحانياً فهذا يُظهرك متكبراً . لا تُقدم أى فكرة جديدة جيدة فستتعرض للنقض . لا تحمل نظرة ثاقبة ، وسع مقلتيك ، أرخ شفتيك ، فكر بميوعة وكن كذلك ، عليك أن تكون قابلاً للتعليب ، لقد تغير الزمن وتغيرت الأحوال ، لقد سيطرت أفكار الرداءة والانحطاط لتصير معياراً فى الحكم على الآخرين وللحُكم أيضاً بالمُطلق ، فالتافهون قد أمسكوا بالسُلطة ” .

وأن التفاهة تحولت لنظام دولى مُرتبط بالاستبداد والديكتاتورية وتزييف إرادة الشعوب والنفاق والتضليل الإعلامى , كما أن للتفاهة مكانها فى الجامعات التى أصبحت مُجرد مصنع للشهادات التى لا يحتاجها سوق العمل والمجتمع وكذلك فى الصحافة التى تهتم بالفضائح والإشاعات والأخبار المغلوطة . يستخلص فى النهاية أن صناعة التفاهة تسير تبعاً لمنهج وخطة واضحة وأن أهم مظاهرها :

( الأزمات المالية _ الجرائم المُنظمة _ هدم منظومة القيم _ العلاقة بين المال والسياسة _ وهم الكاريزما وهوس الشهرة _ تحويل الحياة لسلعة مُقابل المال )

كل هذا يحدث من خلال لغة تتعمد التكرار وخطاب الرأى العام من خلال العواطف لا العقول ، مع تحويل العمل من قيمة للمجتمع لمُجرد مهنة ومصدر للرزق والمال مما ينفى دواعى الإتقان والإبداع فى العمل.

رواية حفلة التفاهة

ميلان كونديرا ” حفلة التفاهة ”

يُقدم الروائى التشيكى (ميلان كونديرا) وجه آخر للتفاهة فى روايته (حفلة التفاهة) أو (صخب اللامعنى) ، يستخدم السخرية كأداة مُقابلة لسير الحياة فيسخر من كل ما فيها من أشياء جادة وهزلية ، يسخر من الكتابة والوطن والقارِىء والتاريخ والجمال والقبح , ومن الطُغاة والحروب والموت والولادة ، ولا يتوانى أيضاً عن السخرية من نفسه ، كما يعرض فلسفته المُفسرة للتفاهة بحس عالى من السخرية فيقول :

” اللامعنى يا صديقى ، هو جوهر الوجود وهو معنا دائماً فى كل مكان . إنه موجود حتى حيث لا أحد يراه فى الأهوال وفى الصراعات الدموية وفى أخطر المآسى . ولكن ليس المقصود هو التعرُف إلى اللامعنى بل التعلق به وتعلّم كيفية الوقوع فى حبه ، صديقى تنفس هذه التفاهة التى تُحيط بنا إنها مفتاح الحكمة ، مفتاح المزاج الجيد والرضا ” .

فى أسلوب كونديرا يختلط الجد بالهزل والحكمة تظهر فى صورة المزاح مع القارِىء ، كما تشعر بأنه فى هذه الرواية الصغيرة يُعبر عن غياب المعنى واللاجدوى بعد تقدمه فى السن والشعور بالشيخوخة والتعب .

التفاهة موجودة فى كل العُصور ، والشخص الذى يتحلى بالمرح وروح الفُكاهة يُمكن أن يتحول من ناقم على الحياة إلى شخص جذاب ، وستبقى التفاهة حاضرة فى ذهن الأذكياء والحمقى لأنها من طبيعة شخصية البشر لكنها تزيد وتنقُص مع تقدُم المُجتمعات وتخلُفها , ونحن لا نملك فى مواجهة التفاهة إلا كلمات كونديرا:

” أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره إلى الأفضل ، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام . لم يكن ثمة سوى مُقاومة وحيدة ممكنة ، ألّا نأخُذه على محمل الجد ”

توقفوا عن صُنع الحمقى مشاهير

نُرشح لك للقراءة : من أجل الشهرة والمال

الكسل طريق الفشل

الكسل والخمول من أبرز آفات العصر الحديث المُرتبطة بزيادة الاعتماد على وسائل التكنولوجيا الحديثة فى كل مجالات الحياة وإنخفاض النشاط البدنى والعقلى المبذول من الإنسان فى القيام بالأعمال والوظائف الحياتية التى يؤديها بشكل يومى فى المنزل والعمل وأوقات الترفيه والراحة . حالة واضحة من فتور الهمّة ونقص الرغبة فى بذل الجُهد والطاقة اللازمة للإنجاز والتقدم يُصاحبها النفور من الأعمال التى تتطلب القوة البدنية والنشاط والحركة ، يتم وصف الشخص الخامل غير النشيط بصفة الكسل فيكون شخص كسول أو مُحب للراحة ، ويُصنف الكسل كعادة ذميمة وليس اضطراب نفسى لكنه يُعد العدو الأكبر للنجاح والإنجاز والمسئول عن تعطيل الإنتاج والتقدم نحو الأهداف .

أسباب الكسل والخُمول

للكسل أسباب كثيرة منها ما هو مرتبط بالمرض وجسم الإنسان وأسباب أُخرى ناتجة عن عادات البشر والروتين اليومى للشخص والأعمال التى يقوم بها مثل :

  • تناول غذاء غير صحى من الطعام الدسم والوجبات الجاهزة والطعام المَقلى يؤدى لشعور الجسم بالتعب والخمول
  • النوم لساعات كثيرة أكثر من اللازم يُسبب الكسل والفُتور ويُؤثر بشكل سلبى على نشاط الجسم
  • ممارسة الرياضة لفترات طويلة فى اليوم يُمكن أن يستنزف كل طاقة الجسم ويُسبب التعب وكذلك عدم ممارسة الرياضة لفترات طويلة يُضعف نشاط الجسم ويُسبب الكسل
  • السهر طوال الليل وقلة ساعات النوم يُسبب الخمول والكسل فى النهار وعدم التركيز فى إنجاز العمل
  • قلة كميات الطعام وعدم التنويع فى الأطعمة لا يُعطى الجسم الطاقة اللازمة للعمل ويُصاب بالخمول والتعب
  • التعرض للتلوث والعيش فى بيئة مُلوثة يؤثر على التنفس ويُسبب الضرر للجسم والإرهاق والكسل
  • الوزن الزائد والسمنة تؤثر على صحة الإنسان ونشاطه اليومى وتُصيبه بالخمول والكسل
  • الإصابة بأمراض القلب والسكر تُصيب الجسم بالكسل والفتور ونقص النشاط
  • حدوث خلل فى غُدد الجسم مثل (الغُدة الدرقيّة) يُمكن أن يُصيب الشخص بالكسل والخمول
  • نقص العناصر الغذائية والفيتامينات ونقص الحديد والإصابة بفقر الدم والأنيميا يؤدى للخمول والكسل
  • قلة شُرب الماء والسوائل داخل الجسم تؤدى للشعور بالصداع والكسل والخمول والرغبة فى النوم
  • الإصابة ببعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والتوتر والقلق الزائد تؤدى للشعور بالحزن والكسل والخمول
  • الإصابة بالإنفلونزا والتهابات الكبد والكلى تؤثر على الجسم كله وتُصيبه بالإرهاق والكسل
الكسل وزيادة الوزن

مظاهر الكسل والخمول

للكسل مظاهر واضحة على حياة الأشخاص تظهر فى كثرة أوقات النوم والأكل وقلة الحركة وتناول الوجبات السريعة والجاهزة ، التعرُق بالجسم عند ممارسة أى مجهود مع الشعور الدائم بالتعب والإرهاق ، قد يظهر كذلك إصفرار على البشرة وهالات سوداء أسفل العين . يؤدى الكسل والخمول لزيادة وزن الشخص والإصابة بالعديد من الأمراض منها إرتفاع ضغط الدم والسكرى ومشاكل فى القلب والتنفس ، كما يؤدى لزيادة القلق والتوتر وإمكانية الإصابة بالأمراض النفسية مثل الاكتئاب واضطرابات الشخصية واضطرابات النوم والطعام مع إنخفاض تقدير الذات والثقة فى النفس .

مُقاومة الكسل والتراخى

الكسل شعور خطير يبدأ بالتراخى البسيط فى أشياء والقيام بأعمال بسيطة ويزداد شيئاً فشيئاً حتى يُصبح صفة مُلازمة وطبع مُتأصل فى الشخص فيُسيطر على حياته كلها ويُبعده عن تحقيق الأهداف المطلوبة منه ، ويركن دائماً للراحة والخمول والغفلة إلى أن يصل للخسارة والفشل ويُمكن أن تُصبح الأمور أكثر صعوبة فيجلب معه المرض النفسى والاضطراب فى كل أنشطة الحياة اليومية للشخص ويحتاج للمُساعدة والعلاج من أجل العودة للحياة الطبيعية الفعّالة , يمكن أن نذكر بعض الخطوات والأشياء التى تُساعد على التخلص من الكسل والخمول :

  • الحرص على النوم لفترة كافية كل يوم وممارسة التمارين الرياضية بانتظام
  • التعرف على الذات بشكل أفضل يعمل على تحفيز الشخص للقيام بالأعمال التى يُحبها وترك ما يصيبه بالملل من أعمال
  • القيام بأعمال مُحددة وقليلة فى كل مرة حتى لا يُصاب بالملل والخمول
  • تحفيز النفس دائماً وتذكيرها بأنك قادر على الفعل والإنجاز مهما كانت المهمات صعبة وشاقة
  • لا تؤجل عمل اليوم للغد فالتسويف والمُماطلة من أكثر الأشياء التى تُغذى التراخى والكسل
  • أعتبر الأعمال والمهمات المطلوبة كتمرين وتعامل معها برضا وحب وليس كشخص مُجبر على أدائها
  • قم بتقسيم المهام الصعبة لمهمات صغيرة وتعامل معها بالتدريج حتى تنتهى منها كلها كى لا تُصاب بالملل والفتور
  • فكر دائماً فى فائدة ما تقوم به من أشياء وما ستحصل عليه بعد إنجازها ولا تفكر فى المجهود والتعب
  • فكر فى العواقب التى ستعود عليك لو لم تؤدى أعمالك ومهامك واستسلمت للخمول والكسل
  • تعلم من الآخرين والأشخاص الناجحين فى الحياة وتجنب أخطائهم يمكن أن يُساعدك هذا فى الحياة للوصول للنجاح
  • المُحافظة على الوزن وشُرب كميات كافية من الماء كل يوم تجعل الجسم نشيط وبعيد عن الكسل والخمول
  • التخلص من كل الضغوط والتوتر والإسترخاء والتنفس الجيد ينشُر الطاقة فى الجسم ويبعث النشاط
  • تناول الغذاء الصحى والتركيز على الخُضروات والفاكهة وتجنُب السكريات والنشويات بكثرة لأنها تؤدى للكسل
  • الإستحمام بالماء والوضوء وترطيب الجسم وغسل الوجه كلها أشياء تُساعد على تنشيط الدورة الدموية وتجديد نشاط الجسم وحيويته
الطعام الدسم والكسل

الكسل فى هذا العصر أصبح نمط إجتماعى سائد خاصة فى العالم العربى مع تقدم وسائل النقل والرفاهية والاتصالات والأسواق الإلكترونية التى تُوفر كل الأشياء وإمكانية توصيلها إلى البيوت ، وسهولة السفر بالسيارات والطائرات وقلة إقبال الشباب والأطفال على الألعاب الرياضية وتفضيل الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الإجتماعى ، مع إزدياد مُعدلات البطالة وقلة الأعمال التى تتطلب مجهود بدنى وذهنى يظهر الكسل والخمول كسمّة واضحة من سمات فقد الشغف والإحباط والملل لدى الأجيال الجديدة .

نُرشح لك للقراءة : فقد الشغف

رمضان شهر الخير

مع بداية شهر رمضان يحل موسم التنافُس فى الطاعات , وتهل الخيرات والبركات على الجميع , تُشرق أنوار آيات القرآن الكريم والذكر الحكيم تصدح به الألسنة والقلوب المؤمنة , تُقّيد الشياطين وتَسعى الملائكة بالنور والبشارة بمغفرة الذنوب وإغاثة الملهوف والعتق من النار . أجواء روحانية ونفحات ربانية لا تُعد ولا تُحصى طوال شهر واحد يأتى كل عام فيربُت على القلوب لتستكين الأرواح وتصفو البصائر من لذة العبادات والكرامات الإلهية لكل سائل ومُتعبد وقائم وذاكر فى شهر رمضان .

فضل شهر رمضان

لشهر رمضان مكانة عظيمة جداً فى الإسلام , ميّزه الله عن باقى الشهور بالعديد من الأشياء الهامة فى الدين الإسلامى , هو الشهر الذى فُرِض صيامه ركن من أركان الدين الإسلامى بعد الشهادة والصلاة والزكاة والحج لقول النبى (صلى الله عليه وسلم) : ” بُنى الإسلام على خمس, شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً عبده ورسوله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وحج البيت , وصوم رمضان ” , كما توجد ليلة فى شهر رمضان العبادة بها أفضل من العبادة فى ألف شهر هى (ليلة القدر) فى العشر ليال الأخيرة من الشهر . كما شَرف الله هذا الشهر ببداية نزول القرآن والوحى على النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) حين كان يتعبد فى (غار حراء) , يقول الله تعالى فى القرآن : ” شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ” .

كذلك وقعت العديد من الأحداث الكبيرة والفاصلة فى التاريخ الإسلامى فى شهر رمضان المُعظم , بداية من (غزوة بدر الكبرى) فى العام الثانى لهجرة النبى , و(غزوة الخندق) فى العام الخامس للهجرة , و(فتح مكة) فى العام الثامن للهجرة ,( معركة حطين) وانتصار المُسلمين على جيوش الصليبيين بقيادة (صلاح الدين الأيوبى) , (معركة عين جالوت) وانتصار المُسلمين على جيوش المغول تحت قيادة (سيف الدين قُطز) , وانتصار الجيوش العربية على إسرائيل فى حرب أكتوبر عام 1973 م .

رمضان كريم

أفضل الأعمال فى رمضان

أفضل ما نقوم به فى شهر رمضان هو التقرب إلى الله بالطاعات والعبادات والإبتعاد عن عن كل ما هو قبيح و مُحّرم ، أفضل العبادة فى رمضان الصيام عن الطعام والشّراب وصيام الجوارح عن كل ما يُشين من قول الزور والغيبة وأكل الحقوق والمُشاحنات ، وقيام الليل وصلاة التراويح بعد العِشاء ، الصدقات فى شهر رمضان لها أجر وثواب يتضاعف عن باقى الشهور وإطعام الطعام بإعداد وجبات إفطار للصائمين . قراءة القرآن والتدبُر فيه والعمل بما ورد فيه تُعطى الأجر والحسنات وتُعطى الروح الطمأنينة والسَّكينة . مُلازمة المساجد والاعتكاف بها خاصة فى العشر الأواخر من الشهر من سُنن النبى (صلى الله عليه وسلم) فى الحالات العادية لو كانت المساجد مفتوحة ومسموح بذلك . العُمرة فى رمضان تُعادل أداء فريضة الحج وليلة القدر صيام نهارها وقيام ليلها أفضل من عبادة ألف شهر . يُستحب فى رمضان الإكثار من ذكر الله والاستغفار والدعاء طوال اليوم خاصة عند الإفطار ووقت السحور والثُلث الأخير من الليل ، كما يُستحب زيارة الأقرباء وصلة الأرحام وتقليل الغضب والحقد والكراهية وتصفية النفوس والقلوب من كل ما يُعكرالصيام والصفاء فى الشهر الكريم .

رمضان يأتى على الأُمّة الإسلامية هذا العام فى ظل تفشّى (فيروس كورونا) فيجزع البعض من اختفاء بعض مظاهر الفرحة والاحتفال المُعتادة كل عام فى هذا الشهر من موائد الرحمن والعزائم المُتبادلة بين العائلات والأقارب والأصدقاء على الإفطار والسحور وغياب الصلاة فى المساجد والاعتكاف بها ، مع إغلاق الكثير من دُور المُناسبات والاحتفالات وغياب السهرات الرمضانية ، لكن يبقى الشهر العظيم المُبارك بروحه الطيبة وسَمته المُعتاد وعاداته المُتوارثة بين الأجيال ، ويبقى الصيام والصلاة والقيام والذكر والاستغفار وقراءة القرآن ، وترتفع الأيادى بالأدعية وتلهج الألسنة والقلوب بالذكر لله العَلّى الكبير طالبين زوال الغُمّة وانقشاع الأزمة .

كل عام وأنتم بخير وتَقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وأعاننا على الصيام والقيام والذكر والقرآن .

أغنية رمضان جانا

الكلام الطيب

الكلمة مفتاح القلوب ورسالة الأفكار بين المُتكلم والسامع , يُمكن أن تُسر بها النفوس وتنشرح لها القلوب ويبقى بها أثر طيب لمدة طويلة , وكذلك تستطيع الكلمة أن تزرع فى نفوس الناس بُذور البغضاء والكراهية والخصام وتُغلق القلوب والأبواب وتُفرق الإخوان والأحباب . الكلمة الطيبة كالعطر جميل الرائحة يتعطر بها صاحبها وتنساب من فمه فتُعطر الأماكن وآذان المستمعين وتربت على القلوب وتُلطف الحوار , تَحصُل بها على ما ترغب فيه فتُقرب ما هو بعيد وتُيسر الصعاب وتفتح الطريق وتُذلل الأسباب لبلوغ كل الغايات والأغراض الصعبة . الكلمة تُعطى الشخص المكانة فى القلوب فترفع من تقديره أو تخفض من مكانته , وهو يملكها ما لم يتكلَّم بها فإذا خرجت من فم إنسان ملكته .

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

تأثير الكلمة فى الأديان

تَلقى الأنبياء رسالة الأديان ونقلوها للناس عن طريق الكلمة والوحى الإلهى فكانت الكُتب المُقدسة وتعاليم الأنبياء كلمات تُنير الطريق لهداية البشر للإيمان بوجود إله خالق كل شىء ومُسيطر على الكون بكل ما فيه ومن فيه من مخلوقات , انتقلت رسالات وتعاليم الأديان عبر العُصور عن طريق الكلمات المنطوقة والمكتوبة وغزت القلوب والعُقول فآمن بها عدد كبير من الناس ونشروها وطبقوها فى ما بينهم كقوانين لتسيير الحياة وما فيها .

تظهر مكانة الكلمة الطيبة فى (الكتاب المقدس) : ” الغم فى قلب الرجل يُحنيه, والكلمة الطيبة تُفرحه “(سفر الأمثال /إصحاح 12) , فى رسالة (القديس يوحنا) : ” أيها الأحباء , إن كان الله قد أحبنا هكذا , ينبغى لنا أيضا أن يُحب بعضنا بعضاً ” , من أقوال ( القديس يوحنا سابا ) : ” الكلمة الطيبة التى تقولها اليوم ستأتى بثمرها غداً ” .

فى (القرآن الكريم) آيات كثيرة عن مكانة الكلمة وقدرها والفرق بين الكلام الطيب والكلام الخبيث السىء , قال تعالى : ” إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه ” (فاطر/10) , وقال أيضا : ” ألم ترى كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ” (إبراهيم/24) , ” ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار ” (إبراهيم/26) , فى أحاديث النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) تقدير كبير للكلمة الطيبة وأثرها فى القلوب : ” والكلمة الطيبة صدقة ” , ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ” , ” اتقوا النار ولو بشِق تمرة , فمن لم يجد فبكلمة طيبة ” .

آثار الكلمة الطيبة

  • تأليف القلوب وإصلاح النفوس وجلاء الحزن والغضب .
  • إدخال السرور والسعادة والرضا وبث روح التفاؤل والطمأنينة .
  • من تمام الإيمان والتقرب إلى الله بصدقة الكلمة الطيبة .
  • دليل واضح على أخلاق الشخص الحسنة وطبعه السمح .
  • هى من أسباب تحقيق المحبة والمودة والأُلفة بين الناس .
  • من أسباب مغفرة وتكفير الذُنوب ودخول الجنة والعتق من النار .
  • من صفات الأنبياء والمؤمنين والدُعاة لكل المذاهب الفكرية والإجتماعية .
  • انتصار على كيد الشيطان وضعاف النفوس الذين يُشيعون روح السِباب والنزاع والبغضاء .
  • تقديم النصيحة والتوجيه للآخرين وهدايتهم إلى الصواب بالحكمة والموعظة الحسنة .
  • تجذب الحب من الناس أصدقاء وزملاء عمل لمن يقولها فيُصبح مصدر التفاؤل والخير .
  • توطيد الروابط الإجتماعية والصلح بين المُتخاصمين من العائلة والأصدقاء والجيران .
  • الكلمة الطيبة تجلب الرد الطيب من الطرف الآخر فتشيع روح الاحترام والود والمحبة فى المجتمع .

الكلمة الطيبة فى هذا الزمان أصبحت مثل العُملة النادرة لا يتم تداولها بكثرة وانتشرت الكلمات والأفكار الخبيثة والسِباب , أهتم الناس بجمع المال أكثر من جمع الأخلاق والحكمة والعلوم والحسنات فتهدمت الأديان وضاعت الأخلاق وتاهت الكلمات وتشوهت الأفكار .

قوة الكلمة

فى مشهد من مسرحية (الحسين ثائراً) للكاتب (عبدالرحمن الشرقاوى) يرد الحسين على من يطلبون كلمته وكأنها لن تؤثر فى شىء فيقول :

أتعرف ما معنى الكلمة ؟

مفتاح الجنة فى كلمة

دخول النار فى كلمة

وقضاء الله هو كلمة

الكلمة لو تعرف حرمه زاد مزخور

الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور

وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النُبل البشرى

الكلمة فرقان بين نَبىّ وبَغىّ

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور , ودليل تتبعه الأُمة

عيسى ما كان سوى كلمة

أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

.. فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

إن الكلمة مسؤولية إن الرجل هو كلمة , شرف الله هو الكلمة

هل تعرفون الآن ما معنى الكلمة ؟ فأكثروا من الكلام الطيب والقول اللين وابتعدوا عن الكلام الخبيث , (وقولوا للناس حُسْناً ) .

الأمراض الوبائية المشهورة

منذ بداية وجود الإنسان على الأرض شكلت الأمراض والحروب الخطر الأكبر على حياته واستمرار تكاثره على الكوكب , كما حصدت الحروب ملايين من أرواح البشر عبر التاريخ كذلك حصدت الأمراض والأوبئة أرواح ملايين الناس ومات فيها عدد أكبر من كل ضحايا الحروب العالمية . المرض هو العدو الخفى للإنسان لا يستطيع أن يُقاتله بأسلحة المعارك الحربية , لكن يمكن التغلُب عليه من خلال التجارب العلمية والعمل على تطوير الأدوية واللُقاحات الفعالة فى العلاج والحد من تفشَّى العدوى وانتقالها من شخص لأخر فيصبح الخطر أكبر ويتحول المرض إلى وباء محلى أو عالمى كما حدث مع عدد كبير من الأمراض التى صُنفت وباء عالمى وقتلت أعداد كبيرة من البشر والحيوانات فى دول العالم طوال السنوات والقرون الماضية .

الطاعون

يُمكن اعتبار الطاعون أول وباء عالمى قوى على الأرض , ظهر عام 165 ميلادى وانتشر فى جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية , كانت أعراضه تتمثل فى الإسهال الأسود والسُعال الكثيف , الرائحة الكريهة للتنفس مع ظهور طفح جلدى أسود وأحمر فى جميع مناطق الجسم , استمر فى الانتشار حتى عام 180 ميلادى وكان عدد الوفيات يُقارب 5 ملايين شخص من بينهم الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) والعديد من جنود الجيش الرومانى مما ساهم فى نهاية الإمبراطورية الرومانية .

ظهرت موجة جديدة من الطاعون ما بين عام 1346 إلى عام 1353 , أطلق عليها الناس لقب (الطاعون الأسود) وانتشرت بضراوة فى جميع قارات العالم القديم أوروبا وآسيا وإفريقيا , يُرجح أن المرض انتشر عن طريق براغيث الفئران المُصابة على متن السُفن التجارية وتحولت للدغ البشر بعد وفاة الفئران فنقلت لهم المرض , كانت جائحة المرض شديدة ووصلت تقديرات الوفاة إلى ما بين 100 أو 200 مليون شخص .

ضيق التنفس فى الأمراض الصدرية

الجُدَرى

ظهر مرض الجُدَرى فى القرن الخامس عشر وانتقل بشدة فى القرن السادس عشر بعد وصول الأوروبيون إلى قارة أمريكا , هو مرض فيروسى تظهر له أعراض فى ارتفاع الحرارة وآلام فى العضلات والجسم وصداع ثم تظهر خُراجات فى الفم وبثور صغيرة كثيفة على الجسم كله , البثور لا تزول وتُمثل تشوهات فى الجسد ويمكن أن يتسبب فى العمى فى بعض الحالات المُصابة , هو من الأمراض القاتلة حيث حصد أرواح من 300 إلى 500 مليون شخص فى القرن العشرين فقط , لكن لحسن الحظ تم الإعلان عن إختفاء المرض والقضاء عليه تماماً بعد تطوير لُقاح فعال ضده فى عام 1980 ولم تُسجل حالات جديدة بعد ذلك .

مرض الحصبة

مرض فيروسى يُصيب الأطفال غالباً وينتقل عن طريق الرذاذ فى السُعال أو العُطاس , يظهر على الجسم فى صورة طفح أحمر على الجلد وأعراض تُشابه نزلات البرد الشديدة مع ظهور بُقع بيضاء داخل الفم , أفضل طُرق الوقاية من مرض الحصبة هى تلقى اللُقاح التحصينى من المرض فى فترة الطفولة , يُمكن أن يُسبب مضاعفات مثل الإسهال والتهاب الرئة والتهاب الأُذن الوسطى , من أكثر الأمراض التى انتشرت فى السابق فى قارة أمريكا الشمالية والجنوبية ومن أسباب تدمير حضارة الإنكا حيث بلغت الوفيات بهذا المرض أكثر من 200 مليون شخص .

الجُذام

مرض مُعدى ومُزمن , يأتى من بكتيريا (المُتفطرة الجُذامية) , يُطلق عليه اسم (مرض هانسن) نسبة للطبيب الذى اكتشف البكتيريا المُسببة للمرض , يؤثر على الأعصاب والأطراف والجلد والجهاز التنفُسى والعينين ويُسبب ضعف العضلات والتشوه فى الجسم كله . غالباً يعيش الأشخاص المُصابون بالجُذام فى أماكن للحجر الصحى لمنع انتشار المرض , العدوى تنتقل مع السُعال والعطس من الشخص المُصاب ولا تنتقل باللمس .

الكُوليرا

هو أشهر مرض فى القرن التاسع عشر وشهد ستة موجات انتشار كبيرة وبائية لمرض الكوليرا بداية من عام 1817 , تحول من مرض محلى مُنتشر فى الهند إلى وباء عالمى وصل إلى جميع دول العالم بسبب تطور أدوات النقل والسفر وسوء الظروف الصحية , تنتشر البكتيريا المُسببة لمرض الكوليرا عن طريق الماء والغذاء الملوث , ويُسبب أعراض القىء الشديد والإسهال والتشنجات والتقلصات والجفاف الشديد مما يُعرض للوفاة بعد فقد الجسم للسوائل والأملاح فى غضون ساعات قليلة . ساهم التقدم العلمى والعُمرانى فى تحسن وسائل وخدمات الصرف الصحى وأصبحت حالات الكوليرا نادرة فى الدول الكبيرة لكن المرض لا يزال يُمثل خطر على الدول الفقيرة وتتخطى حالات الوفاة بالكوليرا فى العالم كل عام 100 ألف شخص حسب تقديرات مُنظمة الصحة العالمية .

ارتفاع الحرارة من أعراض الأمراض الوبائية

مرض السُّل (الدرن)

من الأمراض التنفُسية الذى تُسببه بكتيريا تُصيب الرئتين وينتشر مع الرذاذ فى السُعال والعطس والمُصافحة والتقبيل , من أعراضه السُعال المستمر المصحوب بالدماء وألم فى الصدر مع فُقدان الوزن والشهية والحُمى والتَعرق والخمول . فى القرن التاسع عشر قضى مرض السُّل على ربع سكان أوروبا وتم تسميته (الطاعون الأبيض) , رغم أساليب العلاج الحديث لا يزال المرض يؤثر على 8 ملايين شخص كل عام وتصل الوفيات بالسُّل كل عام بين مليون و2 مليون شخص سنوياً .

الملاريا

من الأمراض التى تأتى من الطُفيليات والميكروبات المنتقلة عبر لدغات البعوض ومنها بعض الفصائل الفيروسية كذلك , ينتشر المرض حول المياه الراكدة , تُعتبر قارة إفريقيا أكثر قارة فى نسبة الإصابات بمرض الملاريا حول العالم , إذا لم يتم علاج المُصاب خلال 24 ساعة تؤدى لأعراض شديدة تتسبب فى الوفاة فى أغلب الحالات . انتشر هذا الوباء أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية وقتل حوالى 100 ألف جُندى , يُسبب الحُمى والقشعريرة وأعراض تُشابه الإنفلونزا , لا يزال مرض الملاريا من أخطر الأمراض فى العالم حيث يوجد ما يُقارب 200 مليون مُصاب وتتجاوز الوفيات نصف مليون شخص كل عام .

الإنفلونزا الإسبانية

فى نهاية الحرب العالمية الأولى وبالتحديد فى شهر مارس عام 1918 ظهرت حالات وفيات كبيرة بين المدنيين والعسكريين وتم أكتشاف أخطر مرض وبائى فى القرن العشرين , أطلق عليه البعض لقب ( الإنفلونزا الإسبانية) والبعض الأخر (الإنفلونزا العُظمى) أو (إنفلونزا 1918) , يشتبه العلماء فى أن المرض انتقل من الطيور إلى الإنسان , ثم انتقل بسرعة شديدة مع الجُنود العائدين من الحرب إلى بلادهم , كانت أعراضه تُشبه أعراض الإنفلونزا الموسمية العادية مثل الحُمى والغثيان والألم والإسهال وبعض الأوقات بُقع سوداء على الخدين , وتعرض الأشخاص المصابين للموت بسبب نقص الأُكسجين وامتلاء الرئتين بالسوائل , كانت إسبانيا من أكثر الدول تأثراً بالمرض وأُصيب به الملك الإسبانى (ألفونسو الثامن) لفترة من الزمن . كانت الوفيات مُعظمها فى فئة الشباب بين 20 إلى 40 سنة , انتشر المرض بشدة ولم ينجح الأطباء فى الوصول لعلاج حتى أصاب ثُلث سُكان العالم , وبلغت الوفيات حوالى 50 مليون شخص وفى تقدير آخر 100 مليون شخص , قبل أن ينتهى المرض فى صيف عام 1919 ليُسجل نفسه فى التاريخ كأقوى مرض وبائى فى الإصابات والوفيات .

العالم يواجه خطر انتشار أحد الأمراض الوبائية الآن هو (فيروس كورونا) الذى تخطت عدد الإصابات به مليون شخص ووصلت الوفيات لأكثر من 60 ألف شخص حول العالم , والكل يرجو ويتمنى ويتوجه بالدعاء أن ينتهى المرض سريعاً ويزول الخطر ويعود العالم لحالة الهدوء والسلام والطمأنينة .

غسل اليد جيداً لمكافحة انتشار الفيروس

يوم الأم

الأُمومة غريزة وفطرة لدى المرأة تظهر فى كل ما تقوم به منذ الطفولة من مظاهر الرعاية والعناية بالآخرين , فنجدها تؤدى دور الأم مع العرائس التى تلعب بها فى طفولتها وتميل للعناية بالحيوانات والطيور الأليفة ورعايتها وتقديم الطعام والشراب لها , عندما تكبر قليلاً يمكن أن تمارس الأُمومة مع الأخوة والأخوات وترعى الوالدين وتحنو عليهم , إلى أن يأتى الوقت الذى تتزوج فيه وتُرزق بأطفال فتظهر الأُمومة الواضحة وتُشبع فطرتها بتربية وتنشئة ورعاية الأطفال بكل ما تملك من عطف وحب وعطاء متدفق دون انتظار مُقابل مادى أو معنوى لكل ما تفعل . الأم هى مصدر الحياة الأول للأبناء من بداية مرحلة حمل الطفل تسعة أشهر فى بطنها وتحملها لألم الولادة بعدها لكى يخرج الطفل ويرى نور الحياة , تعهُدها الطفل بعد ذلك بالرضاعة والطعام والسهر على راحته حتى يكبر ويشتد عوده ويتمكن من رعاية نفسه .

حنان الأم

دور الأم فى حياة الأبناء

للأم دور كبير فى حياة الأبناء لا يستطيع أن ينكره شخص عاقل , يبدأ دورها بمرحلة الحمل والولادة والرضاعة ثم مرحلة الرعاية والعناية الشديدة فى الطفولة , وحرصها على تربية الأطفال على القيم والأخلاق الحميدة والاهتمام بتوفير التعليم الجيد فى المدارس والجامعات وتهيئة المناخ المناسب من أجل مذاكرة الدروس والنجاح فى مراحل التعليم المختلفة , وما يتخلل ذلك من سهر وجهد بجوار الطفل المريض , ومراجعة الدروس مع الأبناء وصناعة الطعام وتنظيف البيت والعمل ليلاً ونهاراً من أجل بيتها وأولادها مع التضحية بكل غالى ونفيس حتى يصل الأبناء لأفضل الدرجات العلمية والوظيفية ويقرر الزواج وإنشاء بيت وعائلة جديدة , حالة من العطاء بلا حدود من جانب الأم تجاه الأبناء لا تنتهى حتى بعد زواجهم وابتعادهم عنها بل تظل تفكر فى أبنائها وتطمئن أن حياتهم تسير بشكل جيد وناجح , لا ينتهى دور الأم وعطائها المستمر إلا بعد وفاتها وتركها الحياة لكنها تبقى فى ذاكرة ونفوس الأبناء إلى الأبد .

مكانة الأم فى الأديان

جميع الأديان تُكرم الأم وتحتفى بدورها ومكانتها العظيمة وتنادى بإكرام الأم والعمل على نيل رضاها والبر بها بكل الطرق الممكنة . فى الدين المسيحى يكفى أن تكون المكانة الكبرى للأم أن السيد المسيح وُلد لأمه مريم العذراء بدون أب وكان لها الدور الأكبر فى تربيته وتنشئته حتى يكبر ويتلقى النبوة , وكان المسيح يُكرم أمه ويبر بها ويخضع لها وينفذ ما تقول وتطلب بسعادة وفرح ورضا , كما كرر المسيح وصية الله لموسى وقال : “فإن الله أوصى قائلاً أكرم أباك وأمك , ومن يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً” , وكذلك أكد (بولس الرسول) كلمات المسيح عندما قال : “أكرم أباك وأمك التى هى أول وصية بوعد” . فى الدين الإسلامى كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية تشير لمكانة الأم العظيمة وتدعو الأبناء لمُعاملة الأم بأفضل الطرق والإحسان لها وتقديرها وطاعتها فى غير المعصية والتأكيد على بر الأم والتماس رضاها فى كل شىء , نذكر منها فى القرآن (سورة لقمان) : ” ووصينا الإنسان بوالديه ,حملته أمه وهناً على وهن وفصاله فى عامين أن أشكر لى ولوالديك ,إلى المصير ” , كما قال الله تعالى فى (سورة الإسراء ): ” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا , إما يبلغن عندك الكبر أحدُهُما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفًّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما ً” , من أقوال النبى (صل الله عليه وسلم) عندما جاء رجل إليه فقال : ( يا رسول الله من أحق الناس بحسن صَحابتى ؟ قال: أمك .قال: ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك ) فقدمها النبى على الأب ثلاث مرات , قال النبى فى حديث آخر : ( رضا الرب فى رضا الوالدين , وسخطه فى سخطهما ) .

الاحتفال بعيد الأم

عيد الأم

بدأت فكرة الاحتفال بعيد الأم فى عصور الرومان والإغريق وأقاموا مهرجانات لتكريم الآلهة الأم (رهيا وسيبيل) , فى العصر الحديث بدأت فكرة الاحتفال بالأم فى الولايات المتحدة على يد (جوليا وارد هاوى ) عام 1872 أثناء الحرب الأهلية حين دعت النساء لنزع السلاح والاحتفال بعيد الأم من أجل السلام , فى عام 1908 أقامت (آنا جارفيس) احتفال بذكرى أمها فى أحد الكنائس فى بلدة جرافتون غرب فرجينيا لتحقيق وصية أمها وظلت تدعو وتبذل أقصى جهدها لنشر فكرة الاحتفال بعيد الأم حتى أعلن الرئيس الأمريكى (وودورو ويلسون) عن تحويل عيد الأم إلى عطلة وطنية رسمية عام 1914 وانتشرت الفكرة بعدها فى أغلب بلاد العالم .

فى الشرق كانت مصر أول دولة تحتفل بعيد الأم وبدأت الفكرة عام 1956 من الصحفى مصطفى أمين وعلى أمين فى صحيفة أخبار اليوم بعد زيارة أحد الأمهات لهم فى الصحيفة والشكوى من انصراف وإهمال الأبناء لها بعد الزواج والاستقلال بحياتهم بعيداً عنها , وكان الاقتراح بتخصيص يوم للاحتفال بالأم والتذكير بفضلها ومحاولة رد الجميل لها على ما قدمته من تضحيات , بعد الدعوات المتكررة تم تخصيص يوم 21 مارس للاحتفال بعيد الأم .

يختلف يوم الاحتفال بعيد الأم من دولة لأخرى حيث تحتفل الدول العربية يوم 21 مارس, فى الأرجنتين الأحد الثالث من شهر أكتوبر, فى الولايات المتحدة الأمريكية الأحد الثانى من شهر مايو, فى البرتغال وإسبانيا أول أحد فى شهر مايو, فى النرويج الأحد الثانى من شهر فبراير , فى فرنسا أخر أحد فى شهر مايو ويمكن تأجيله لأول أحد فى شهر يونيو فى حالة تعارضه مع (عيد العنصرة) .

تختلف دول العالم فى تحديد يوم الاحتفال بالأم لكن لا يمكن أن يختلف أحد على تضحية وعطاء الأم فى سبيل أبنائها والدور العظيم الذى تؤديه فى المجتمع والبيت والعائلة , وضرورة تقدير الأم والإحتفاء بها فى كل الأيام والأوقات وليس يوم وحيد فقط كل عام , الأم تجسيد حقيقى لقول (حافظ إبراهيم) : ( الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق ) , فالشكر والتحية واجبة لكل أم مخلصة تؤدى واجبها بتفانى تجاه أبنائها , والرحمة والدعوات لروح جميع الأمهات الراحلات بعد الكفاح الشاق فى تربية الأجيال.

أغنية أمى ثم أمى

الحب الأول

نبضات القلب الأُولى المُفعمة بالحب ,النظرات الوالهة للحبيب, الأنفاس المُضطربة فى اللقاء الأول, الكلمات الدافئة والرسائل المشتعلة بالشوق المتدفق, ليالى الأرق والسُهَاد الطويل, أحلام اليقظة والمنام بلقاء المحبوب, كلها أشياء تُشكل الحب الأول فى حياة الأشخاص مهما اختلفت أشكالهم ومكانتهم الإجتماعية هم يمتلكون قصة حب أول ومشاعر بريئة مع شخص آخر فى فترة سابقة . الحب الأول يحمل دائماً ذكريات جميلة وطيبة فى النفوس حتى لو كانت النهايات مؤلمة بالفراق تبقى أول نظرة حب وشوق مع أول لهفة ومشاعر ملتهبة , كما يبقى شعور الغيرة على المحبوب والخصام معه من أجمل الذكريات التى لا تُنسى بسهولة وتترك الأثر فى القلوب العاشقة .

يأتى الحب الأول فى العادة فى مرحلة المراهقة والشباب المبكر حيث يكون الشخص بدون تجارب وخبرات فى الحياة , هو حب يستند على الرومانسية والعواطف الجياشة والخيال الجامح بعيداً عن العقل وظروف الحياة والإلتزام بكافة متطلبات الارتباط بالحبيب من عمل ومسكن وتعليم مما يجعله حب ضعيف لا يصمد كثيراً على أرض الواقع, وينتهى غالباً بتخلى أحد الطرفين عن الآخر لعدم القدرة على الاستمرار فى العلاقة والوفاء بمتطلباتها, المعتاد أن يكون الحب الأول لشخص قريب فى الحياة مثل ابن الجيران أو زملاء الدراسة أو أحد الأقارب من العائلة والأصدقاء .

مشاعر الحب الأول

أسباب عدم نسيان الحب الأول

المشاعر القوية : فى الحب الأول تكون المشاعر هى المحرك والدافع الأقوى للحب , والعاطفة الشديدة تحرك القلب للطرف الآخر فيكون النسيان صعب بعدها ويحتاج لوقت كبير .

البداية لأشياء كثيرة : الحب الأول هو أول شعور بالاهتمام والشوق والغيرة وكثير من الأحاسيس المختلطة نختبرها لأول مرة لذلك يبقى بقوة فى الذاكرة وفى القلب .

بدون حسابات : الحب الأول مشاعر صادقة تتميز بالعفوية والبراءة بدون تخطيط أو حسابات معقدة , يتصرف الشخص على طبيعته بلا تكلف وبكل حرية فتبقى الذكريات الجيدة والسيئة .

بدون خبرات سابقة : تختبر كل شىء بنفسك بدون خبرة سابقة , الخبرات السابقة تُعطى مشاعر سلبية تجاه بعض المواقف وتصنع بعض الخوف من تكرار نفس المواقف فى العلاقات الحالية ومع أشخاص آخرين .

تجربة جديدة مختلفة : الحب الأول يُشكل تجربة هامة لنضوج الإنسان وتكوين الشخصية المستقلة حتى لو لم يكتمل يمكن أن يعلمك الحكمة والمسئولية ويصبح تجربة يصعُب نسيانها .

الذكريات الجميلة : اللقاءات الأولى, الهدايا الجميلة , المواقف المُضحكة والمُحزنة كلها تبقى كذكرى فى العقل والقلب حتى بعد انتهاء الحكاية كلها ومرور عدة سنوات بعدها .

أحلام الحب : فى الحب الأول نحلم دائماً بالعيش مع الحبيب فى المستقبل ونضع الكثير من الأحلام المُبالغ فيها لتحقيقها مع هذا الحب , مما يجعل هذه الأحلام باقية فى الصدور مع مرور الوقت ونهاية العلاقة .

النهايات الحزينة : تنتهى أغلب قصص الحب الأول بنهايات حزينة ولا تكتمل , تكون النهاية خارجة عن إرادة المحبين لذلك تبقى آثارها كالنقش فى الذاكرة والسهم فى القلوب .

شجرة الحب

علامات الحب

  • الاهتمام بالمظهر ومحاولة اظهار الجمال أمام الشخص الذى تحبه .
  • يقوم الشخص بتصرفات مختلفة عن صفاته وشخصيته من أجل الحصول على اهتمام الطرف الآخر .
  • التفكير فى الشخص الآخر وتذكر كل المواقف التى تحدث معه .
  • الشعور بالغيرة على الشخص الذى تحبه ومحاولة الاستئثار به بعيداً عن جميع الناس .
  • طاعة الشخص الذى تحبه والإعجاب برأيه ونصائحه والعمل بما يقترحه من أشياء .
  • البحث عن ما يُسعد الحبيب ويرضيه والقيام به .
  • حب الجلوس مع من تحبه وتجاذُب الحديث معه .
  • الشعور بالفضول ناحية من تحبه ومراقبة وملاحظة كل تصرفاته وما يحبه ويكرهه .
  • الحنان والعطاء الدائم دون انتظار المقابل .
  • التضحية بأشياء كثيرة من أجل إرضاء الشخص الذى تحبه .

الحب الأول يطرق أبواب القلوب ويدخل بدون اِستئذان من أصحابها ويمتلكها بقوة العاطفة والمشاعر الجميلة القوية , يصنفه البعض على أنه مجرد وهم كبير نعيشه لفترة وينقضى , ويصنفه آخرون على أنه مشاعر حقيقية وذكريات حلوة من الماضى لا يمكن نسيانها وتخطيها بسهولة , لكن فعل الحب ومشاعر الإنسان تختلف وتتغير مع مرور الوقت والتجارب والخبرات فى الحياة فتختلف نظرته للحب والحياة عن الماضى ويقل تأثير الحب الأول على القلوب والعقول , لكنه يبقى فى ثنايا القلب وتجاويف العقل العميقة , كما يقول (محمود درويش) : “الحب الأول لا يموت بل يأتى الحب الحقيقى ليِدفنُه حياً ” .

أغنية (حكاية واحدة) فيلم هيبتا

فى الزحمة

الزحام والصخب هى الملامح البارزة لسكان المدن الكبرى حول العالم فى السنوات الأخيرة , ملايين من البشر والسيارات فى الطرقات والشوارع منذ الصباح الباكر فى طريقهم للعمل والدراسة أو السفر والتنقل لقضاء أشغال وأعمال مختلفة تخصهم , مما يسبب ازدحام فى الطريق وتكدس مرورى يبقى لدقائق أو ساعات فى بعض أوقات الذروة فى المدن المليونية الكبرى , حتى أنك قد تفقد ساعة أو أكثر يومياً بسبب زحام الطريق فى مدن مثل القاهرة ومكسيكوسيتى وساوباولو ومومباى . النزوح من الريف إلى المدن الكبرى من أكبر أسباب ازدحام المدن بالسكان علاوة على ذلك تمتع المدن بالخدمات والمواصلات وفرص التعليم والعمل يجعلها مناطق جاذبة للسكن , كما لعبت الزيادة السكانية بشكل عام العامل الأكبر فى ظاهرة الزحام والتكدس البشرى فى المدن وعواصم الأقاليم الكبرى فى كل بلد .

زحام الطُرق

سلوكيات الزحام

الزحام يشكل ضغط كبير على البشر فيزداد التوتر والخوف والعصبية والغضب مما يخلق جو مشحون بالنزاعات والشجار بين الناس , يغيب الاحترام ويظهر السباب واللعنات , تكثر العشوائية فى التخطيط والبناء فتظهر المناطق العشوائية بكثرة , تتكدس الناس فى العمارات العالية والحارات الضيقة ويزداد تكدس مخلفاتهم من القمامة فى الطرقات مع تلوث سمعى من مكبرات صوت وآلات تنبيه من السيارات والمحلات والمقاهى والمطاعم المتعددة . شعور قوى بالاغتراب والتضاؤل بين جموع الناس يزيد مع الزحام , تغيب الأهداف وتتشوه الأماكن ويضيع الوقت فى الزحام .

يقل الإبداع ويكثر التقليد وينتج فن وأدب لا يقل فى الرداءة عن واقع الحياة وسط الزحام الخانق . يغلب النمط الاستهلاكى ويقل الاهتمام بجودة المنتجات المعروضة , وتزيد نسبة السلوكيات الشاذة لدى الأفراد مثل التحرش والإدمان والسرقة خاصة أيام الاحتفالات بالأعياد والمناسبات التى تشهد تجمعات بشرية كثيفة . ازدحام كثيف فى وسائل المواصلات العامة وقت الذهاب والعودة من الأعمال يؤدى فى بعض الأوقات مع كثرة السيارات الخاصة لشلل مرورى يصيب المدينة كلها .

أضرار الزحام

الزحام يؤثر على صحة الأفراد كما يؤثر على سلوكياتهم فيسبب لهم العديد من الأمراض النفسية والعضوية حيث نجد أمراض مثل القلق والتوتر والإكتئاب والأرق والصداع وأمراض القلب واضطرابات الجهاز الهضمى وارتفاع ضغط الدم بكثرة فى المدن المزدحمة , كما تزداد نسبة التلوث الصوتى فى المدن وتنعكس بالسلب على الجهاز العصبى وتسبب أمراض الأُذن وزيادة دقات القلب واضطراب النبض . يرتبط الزحام كذلك بالفوضى التى تنتاب البشر وتظهر فى سلوكيات قيادة السيارات بشكل مخالف وعدم الاِلتزام بالأماكن المحددة لوضع القمامة , وعدم اِلتزام المحلات التجارية والمطاعم بالمواعيد المحددة للفتح والإغلاق مع انتشار مكبرات الصوت وآلات العمل المسببة للإزعاج والضوضاء .

يؤثر الزحام كذلك على المجتمع حيث تقل الموارد ويتقلص نصيب الفرد فى الناتج العام والمساحة وتغيب الخصوصية , تظهر مشاكل نقص الماء والغذاء وترتفع تكاليف المعيشة وتتفكك الأُسر ويتسرب الأطفال من التعليم , تزيد نسبة البطالة وتنتشر المقاهى والمتسكعين فى الشوارع وتكثر الخلافات والاحتكاكات وتزداد البلطجة وحوادث الطرق . يتفشى التلوث والأمراض وأبلغ مثال لذلك ظهور العديد من الأمراض فى بلاد شرق آسيا وآخرهم (فيروس كورونا) المنتشر بالصين أكبر بلد على مستوى العالم فى الكثافة السكانية ومن قبله (فيروس سارس) القاتل منذ سنوات قليلة مضت وانتشار الفيروسات بسرعة كبيرة لبلاد أخرى مجاورة للصين.

زحام المواصلات

حلول لمشكلة الزحام

الإنسان يمتلك العقل القادر على التخطيط وإيجاد الحلول لما يواجهه من مشاكل وعقبات لذلك فهو يحاول تخفيف الزحام من خلال بعض الأفكار والقوانين والسلوكيات مثل الطوابير وأرقام الانتظار ونظام حجز الخدمات مسبقاً , كما تتوسع الحكومات فى إنشاء الحدائق والمتنزهات لتخفيف الاختناق السكانى واستيراد ما يلزم الشعوب من سلع وخدمات ناقصة من الخارج , مع محاولات لرفع الإنتاج المحلى وتحسين مهارات الأفراد , وبناء الجسور والكبارى لتسهيل المرور , مع توفير المواصلات العامة كثيفة الاستخدام من نوعية مترو الأنفاق والقطارات والعبارات , ومحاولة إيجاد مشاريع كثيفة العمالة لمواجهة البطالة . تلجأ بعض الحكومات لبناء مدن جديدة جاذبة للسكان للتخفيف عن المدن القديمة , مع التشجيع على استصلاح الصحراء وزراعتها لجذب السكان وزيادة الإنتاج الزراعى والحيوانى , مع إضافة أحياء جديدة للمدن الكبرى لتخفيف التكدس فى الأحياء القديمة وحل مشكلة نقص المساكن .

رغم كل الحلول والأفكار المستخدمة الزيادة السكانية تزيد بنسب مرتفعة كل عام عن العام السابق وتمتلىء المدن الكبرى والعواصم بطوفان من البشر الباحثين عن أعمال وخدمات تُدر ما يكفى لهم لجلب الطعام والملبس وتكاليف السكن , وسط هذا الطوفان الهادر اللاهث وراء لقمة العيش نلمس أختفاء أو تقلص مشاعر وسلوكيات كانت رائجة فى الماضى منها الاحترام والتسامح والعطف والرحمة والنظافة والنظام , مصاحب لهم غياب الود والحب بين الناس فى التعاملات اليومية فالزحام يحول الناس لوحوش آدمية فى رداء البشر .

أغنية زحمة يا دنيا زحمة