الشافعى واختلاف الفقه باختلاف المكان والزمان

أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعى هو أحد أشهر أئمة أهل السنة والجماعة , ينسب له المذهب الشافعى وتأسيس علم أصول الفقه واهتم بعلوم التفسير والحديث وتأليف الكتب والعمل بالقضاء .

حياة الشافعى :

ولد الإمام الشافعى بغزة فى فلسطين عام 150 هجرى وانتقلت العائلة إلى مكة بعدها بعامين , أتم حفظ القرآن فى السنة الرابعة ثم بدأ فى طلب العلم الشرعى بعدها , وعندما بلغ سن العشرين هاجر إلى المدينة وتعلم على يد الإمام مالك بن أنس , بعدها تعددت رحلاته إلى اليمن ثم إلى بغداد حيث تعلم على يد القاضى بن الحسن ودرس المذهب الحنفى ثم عاد إلى مكة وقضى بها تسع سنوات قام فيها بتدريس المذهب الحنفى فى الحرم المكى وعاد إلى بغداد ومنها كانت الهجرة لمصر عام 199 هجرى , قام بنشر مذهبه فى مصر وبقى فيها حتى توفى عام 204 هجرى جراء الإصابة بمرض البواسير , وفى رواية أخرى أن بعض المالكية اجتمعوا عليه وضربوه ضربا عنيفا حتى مات وعمره 54 عاما ودفن بضريحه فى مسجده بالقاهرة .

مؤلفات الشافعى :

_ كتاب الأم

_ كتاب الرسالة القديمة (فى بغداد)

_ كتاب الرسالة الجديدة (فى مصر)

_ كتاب اختلاف الأحاديث

_ كتاب إبطال الاستحسان

_ كتاب أحكام القرآن

_ كتاب صفة الأمر والنهى

_ كتاب اختلاف مالك والشافعى

_ كتاب على وعبد الله

_ كتاب فضائل قريش

_ ديوان شعر (جمعه طلابه)

_ كتاب الحجة

_ كتاب القياس

_ كتاب السبق والرمى

فكر الشافعى :

منهج الإمام الشافعى فى الفقه هو مزيج بين فقه الحجاز وفقه العراق حيث أنه نشأ والصراع على أشده بين مدرسة الرأى فى العراق ومدرسة الحديث فى الحجاز فحاول التوفيق بينهم فى الآراء الفقهية والخروج بمذهب جديد فيما يسمى ب (الوسطية الفقهية) لكنه انتصر فى النهاية للحديث وتم وصفه ب (ناصر السنة) . تتركز أصول الفقه لدى الشافعى فى أربع هى ( الكتاب_السنة_الإجماع_القياس) .أنكر الشافعى أن يكون فى القرآن ألفاظ غير عربية كما كان يتردد فى عصره وأصر على أن قراءة الفاتحة فى الصلاة لا تصح إلا باللغة العربية مخالفا رأى أبى حنيفة مع اشتراط البسملة . سنة النبى عند الشافعى ليست مجرد شارح ومفسر للقرآن بل هى كجزء مكمل له وهى تشمل أقوال وأفعال وموافقات النبى لإيمانه بفكرة عصمة الأنبياء والتنزه عن الخطا البشرى . تمسك الشافعى بالنص حتى لو كان ظنى الدلالة مثل أحاديث الآحاد وقدمها على القياس لكن بقى المتواتر والمشهور أقوى حجية منهما . الإجماع عند الشافعى هو ما اجتمع عليه المسلمون من قبل وإن لم يكن فى قرآن أو سنة فهو حجة على شىء ولا يمكن فيه الخطأ فيكون بمنزلة السنة مثل الأعراف والتقاليد . القياس عند الشافعى هو ما يخرج عن نص الكتاب والسنة ومجرد اكتشاف لما فى النص من أحكام ظاهرة وما عدا ذلك فهو من الاستحسان الذى لايأخذ به فى أحكامه الفقهية . عندما قدم الشافعى لمصر اطلع على فقه الليث بن سعد وأشهب بن عبد العزيز ومع اختلاف البيئة والأعراف والعادات تغيرت وجهة نظره تجاه بعض أحكام الفقه التى اصدرها من قبل فحذف بعض من آرائه وقدم أحكام جديده فيما عرف بمذهب الشافعى الجديد .

شعر الشافعى :

لم يعرف الشافعى كفقيه فقط بل يمكن أن نعتبره كشاعر ورحالة فى طلب العلم , ونظم الشافعى الشعر حتى اشتهر بالفصاحة وشعره يدور فى إطار الحكم والمواعظ والزهد , من أشعاره :

ولرب نازلة يضيق لها الفتى ….. ذرعا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ….. فرجت وكنت أظنها لا تفرج

ويقول أيضا :

ولما قسى قلبى وضاقت مذاهبى ….. جعلت الرجا منى لعفوك سلما

تعاظم ذنبى فلما قرنته ….. بعفوك ربى كان عفوك أعظما

ابن حزم وأحياء المذهب الظاهرى

ولد ابن حزم عام 944م بقرطبة وهو من أكبر علماء الأندلس والأكثر تأليفا بعد الطبرى , عرف بين الناس كفقيه ومتكلم وأديب ونسابة وناقد محلل وفيلسوف , كما عمل بالسياسة كوزير فى عهد بنى أمية .

حياة ابن حزم :

كان أبوه وزيرا عند المنصور بن أبى عامر , وعاش مع أخيه أبو بكر فى القصر وتربى على يد جوارى القصر , ويرجع نسبه إلى جده الأكبر يزيد بن أبى سفيان . حفظ القرآن والحديث ثم الفلسفة والمنطق وعلم اللسان عن محمد بن الحسن القرطبى , وأتجه للفقه فدرسه على مذهب مالك ثم أنتقل إلى المذهب الشافعى فلبث عليه إلى أن أطلع على كتب داود الظاهرى فترك المذهب الشافعى وأتجه إلى الأخذ بالظاهر وشدد فى ذلك عن داود نفسه . عمل كوزير سياسى أكثر من مرة فى عهد بنى أمية فلما سقطت دولة الأمويين نهائيا بالأندلس تفرغ للعلم والتأليف فقدم العديد من المؤلفات للمكتبة العربية الإسلامية فى شتى العلوم . قامت عليه جماعة من المالكية وألبوا ضده الحاكم والعامة فأمر بحرق كتبه وتمزيقها علانية , وتوفى لاحقا فى منزله بأرض أبويه فى قرية منت ليشم عام 1064م .

مؤلفات ابن حزم :

لابن حزم مؤلفات عديدة ومتنوعة فى جميع المجالات العلمية , ويعد الأكثر تصنيفا وتأليفا بعد الطبرى ونذكر منها :

_ طوق الحمامة

_ الفصل فى الملل والأهواء والنحل

_ الإحكام فى أصول الأحكام

_ الرسالة الباهرة

_ المحلى شرح المجلى

_ الأخلاق والسير

_ التلخيص لوجوه التخليص

_ مراتب الإجماع

_ مختصر فى علل الحديث

_ النبذ فى أصول الفقه الظاهرى

_ جوامع السيرة النبوية

_ جمهرة أنساب العرب

_ الإمامة والمفاضلة

_ نسب البربر

_ حجة الوداع

_ الناسخ والمنسوخ فى القرآن

_ تراجم أبواب صحيح البخارى

_ الإنصاف فى الرجال

_ الأصول والفروع

_ علم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة

الحب عند ابن حزم :

من أشهر كتب ابن حزم كتاب ( طوق الحمامة فى الألفة والألاف) , وقد تطرق فى هذا الكتاب لماهية الحب والألفة وكل ما يشمل المشاعر النبيلة ويحيط بها من أشخاص وأفكار وموضوعات , ويعد هذا الكتاب من أهم دساتير الحب فى الشرق والغرب , وليس غريبا أن تنتج بيئة الأندلس البديعة كل ما يتصل بالحب من مناظر طبيعية خلابة وأشعار وعواطف ملتهبة فى أزقة قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبلنسية . يقول ابن حزم عن الحب : ( الحب _ أعزك الله _ أوله هزل وآخره جد , دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف , فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة , وليس بمنكر فى الديانة ولا بمحظور فى الشريعة , إذ القلوب بيد الله عز وجل ) .

فكر ابن حزم :

ابن حزم عمل على أحياء المذهب الظاهرى الذى يقوم على الأخذ بظواهر النصوص من الكتاب والسنة المؤكدة , فلا رأى ولا إعمال للعقل فى أحكام الشرع , كما أنكر القياس والاستحسان والذرائع والمصالح المرسلة , وإن لم يوجد نص فيؤخذ بحكم الاستصحاب وهو الإباحة الأصلية .أنتقد ابن حزم المالكية لأنهم أعتبروا أن أخبار أهل المدينة هى أخبار تواتر أما غيرهم فهى أخبار آحاد لأنهم نقلوا عن إنسان واحد وهو مالك فهو نقل عن واحد كغيره من العلماء ولا فرق . كما شمل نقد ابن حزم نقد متن الحديث النبوى ووضع مقاييس لهذا النقد منها مخالفة الحديث للقرآن مع تعذر الجمع بينهما , مخالفة الحديث الثابت , مخالفة ما يتصف به الرسول , مخالفة مقاصد الشريعة والأحداث التاريخية الثابتة . وقد ظهر تجديد ابن حزم فى نقده لحجج الإجماع مثل حديث ( لا تجتمع أمتى على الخطأ ) واعتبره غير صحيح اللفظ والسند رغم قبوله للمعنى , كما نفى حجية القياس لعدم وجود آيات فى القرآن تشير صراحة للأخذ بالقياس ولم يقل به أحد من الصحابة . أما الاستحسان فقد اعتبره يفتح الباب لهوى النفس دون دليل شرعى . لم يعتد ابن حزم بإجماع العلماء فى موقفهم من المرأة وأعطى لها مكانة مساوية للرجل فى الفضل وهو ضد التمييز على أساس الجنس , وفى هذا يقول : ( وما ذكر الله تعالى منزلة من الفضل إلا وقرن النساء مع الرجال فيها كقوله تعالى : “إن المسلمين والمسلمات ” حاشا الجهاد فإنه فرض على الرجال دون النساء ) .

قبل موته رثى ابن حزم نفسه بأبيات شعرية منها :

عفا الله عنى يوم أرحل ظاعنا ….. عن الأهل محمولا إلى ضيق ملحد

وأترك ما قد كنت مغتبطا به ….. وألقى الذى آنست منه بمرصد

فواراحتى إن كان زادى مقدما ….. ويا نصبى إن كنت لم أتزود