التفاهة كنز لا يفنى

التفاهة وغياب المعنى أصبحت من سمات الكثير من الأعمال المُنتجة والأفعال الصادرة عن المؤسسات والأفراد حول العالم ، حتى أن من يُفكر قليلاً يُمكن أن يلاحظ أن العالم يتجه بقوة ناحية التفاهة حيث يتم التقليل من قيمة الأشياء الجادة من علوم وسياسة وثقافة وتاريخ لصالح الاهتمام بالأفكار الرديئة مثل جلب الشهرة والأموال بأى طريقة ممكنة ، وما يُصاحب ذلك من بناء الوعى المُجتمعى والفردى على قيم الرداءة والابتذال والانحطاط وغياب الضمير . التفاهة فى جوهرها تُمثل النقص فى الإبداع والأصالة وانخفاض قيمة الأشياء والأشخاص وانعدام الأهمية والكفاءة . صنعت وسائل التواصل الإجتماعى والتطبيقات الحديثة أرض خصبة للتفاهة والتافهين وأعطتهم فُرصة ذهبية لممارسة التفاهة بشكل واضح ومُباشر على المَلأ والوصول للجماهير حتى لو كان ذلك بتقديم مُحتوى هزلى ورَدىء بدون ضوابط إجتماعية وأخلاقية .

نظام التَّفاهة

يُعبر الفيلسوف الكنَدى (آلان دونو) الذى يعمل أستاذاً للفلسفة والعلوم السياسية (جامعة كيبيك/كندا) فى كتابه (نظام التفاهة) المُترجم بواسطة الدكتورة (مشاعل عبدالعزيز الهاجرى) (كلية الحقوق/جامعة الكويت) عن فكرة أساسية مغزاها أن العالم يعيش فى فترة لم تحدُث من قبل فى التاريخ بعد سيطرة التفاهة والتافهون على جميع المراكز والمناصب الهامة فى الدول كلها وما تبع ذلك من مظاهر الرداءة وانحطاط المعايير واختلال قيم الجودة فى العمل والذوق العام ، مما يؤدى لظهور جيل كامل من الجاهلين ومُحبى التفاهة ، يقول (آلان دونو) :

“يدعم التافهون بعضهم بعضاً، فيرفع كل منهم الآخر لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار ، لأن الطيور على أشكالها تقع . ما يُهم هنا لا يتعلق بتجّنب الغباء ، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السُلطة “.

كما يرى أن النجاح فى نظام التفاهة يأتى بعد أن (تلعب اللُعبة) بدون قواعد مكتوبة أو نصوص لكن يعرفها الجميع ويعمل بها ، ينصح ويقول :

“لا تكن فخوراً أو روحانياً فهذا يُظهرك متكبراً . لا تُقدم أى فكرة جديدة جيدة فستتعرض للنقض . لا تحمل نظرة ثاقبة ، وسع مقلتيك ، أرخ شفتيك ، فكر بميوعة وكن كذلك ، عليك أن تكون قابلاً للتعليب ، لقد تغير الزمن وتغيرت الأحوال ، لقد سيطرت أفكار الرداءة والانحطاط لتصير معياراً فى الحكم على الآخرين وللحُكم أيضاً بالمُطلق ، فالتافهون قد أمسكوا بالسُلطة ” .

وأن التفاهة تحولت لنظام دولى مُرتبط بالاستبداد والديكتاتورية وتزييف إرادة الشعوب والنفاق والتضليل الإعلامى , كما أن للتفاهة مكانها فى الجامعات التى أصبحت مُجرد مصنع للشهادات التى لا يحتاجها سوق العمل والمجتمع وكذلك فى الصحافة التى تهتم بالفضائح والإشاعات والأخبار المغلوطة . يستخلص فى النهاية أن صناعة التفاهة تسير تبعاً لمنهج وخطة واضحة وأن أهم مظاهرها :

( الأزمات المالية _ الجرائم المُنظمة _ هدم منظومة القيم _ العلاقة بين المال والسياسة _ وهم الكاريزما وهوس الشهرة _ تحويل الحياة لسلعة مُقابل المال )

كل هذا يحدث من خلال لغة تتعمد التكرار وخطاب الرأى العام من خلال العواطف لا العقول ، مع تحويل العمل من قيمة للمجتمع لمُجرد مهنة ومصدر للرزق والمال مما ينفى دواعى الإتقان والإبداع فى العمل.

رواية حفلة التفاهة

ميلان كونديرا ” حفلة التفاهة ”

يُقدم الروائى التشيكى (ميلان كونديرا) وجه آخر للتفاهة فى روايته (حفلة التفاهة) أو (صخب اللامعنى) ، يستخدم السخرية كأداة مُقابلة لسير الحياة فيسخر من كل ما فيها من أشياء جادة وهزلية ، يسخر من الكتابة والوطن والقارِىء والتاريخ والجمال والقبح , ومن الطُغاة والحروب والموت والولادة ، ولا يتوانى أيضاً عن السخرية من نفسه ، كما يعرض فلسفته المُفسرة للتفاهة بحس عالى من السخرية فيقول :

” اللامعنى يا صديقى ، هو جوهر الوجود وهو معنا دائماً فى كل مكان . إنه موجود حتى حيث لا أحد يراه فى الأهوال وفى الصراعات الدموية وفى أخطر المآسى . ولكن ليس المقصود هو التعرُف إلى اللامعنى بل التعلق به وتعلّم كيفية الوقوع فى حبه ، صديقى تنفس هذه التفاهة التى تُحيط بنا إنها مفتاح الحكمة ، مفتاح المزاج الجيد والرضا ” .

فى أسلوب كونديرا يختلط الجد بالهزل والحكمة تظهر فى صورة المزاح مع القارِىء ، كما تشعر بأنه فى هذه الرواية الصغيرة يُعبر عن غياب المعنى واللاجدوى بعد تقدمه فى السن والشعور بالشيخوخة والتعب .

التفاهة موجودة فى كل العُصور ، والشخص الذى يتحلى بالمرح وروح الفُكاهة يُمكن أن يتحول من ناقم على الحياة إلى شخص جذاب ، وستبقى التفاهة حاضرة فى ذهن الأذكياء والحمقى لأنها من طبيعة شخصية البشر لكنها تزيد وتنقُص مع تقدُم المُجتمعات وتخلُفها , ونحن لا نملك فى مواجهة التفاهة إلا كلمات كونديرا:

” أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره إلى الأفضل ، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام . لم يكن ثمة سوى مُقاومة وحيدة ممكنة ، ألّا نأخُذه على محمل الجد ”

توقفوا عن صُنع الحمقى مشاهير

نُرشح لك للقراءة : من أجل الشهرة والمال

من أجل الشهرة والمال

أتاحت شبكة الإنترنت الفرصة أمام الناس لسهولة تداول المعلومات والتواصل بسهولة وسرعة مهما كانت المسافات بينهم , لكن انتشار مواقع التواصل الإجتماعى أظهر لنا بعض السلوكيات الخاطئة يمارسها عدد كبير من رواد هذه المواقع , وعندما تدقق هذه الممارسات وتحاول تحليلها تتوصل فى النهاية إلى أنها نابعة من هوس هؤلاء الأشخاص بالشهرة ومحاولة جلب عدد متابعين أكبر ومعجبين بما يقدم من محتوى يتوافق مع التفاهة والابتذال فى معظم الأوقات .

فى الماضى كانت الشهرة فى جانبها الإيجابى من نصيب كل فرد متميز فى مجاله العلمى أو الثقافى أو الفنى أو الإدارى وكل جوانب الحياة , أما فى عصر شبكات التواصل الإجتماعية ظهر مشاهير جدد يعرفون بمشاهير السوشيال ميديا , نجحوا فى جذب عدد كبير من المتابعين وفرض أفكارهم وسلوكياتهم على المجتمعات حتى لوكانت غريبة وشاذة ويساعدهم فى ذلك بعض المتابعين المهوسين بما يقدم من محتوى قد لا يهم شخص عاقل مثل الحياة اليومية بتفاصيلها لبعض الأشخاص وأماكن النوم والطعام ويتطور الأمر فيصل لنشر صور وفيديوهات محرجة و لا تليق للشخص نفسه أو لآخرين من أجل زيادة المتابعة والإعجاب .

يشير علم النفس إلى أن الحاجة للفت انتباه الآخرين هى شىء غريزى ومن الحاجات العاطفية والإجتماعية لدى الإنسان , لكن عندما تزيد وتصل لرغبة شديدة ومتزايدة فى حب الظهور والشهرة مع الإستعلاء واحتقار من هم أقل منك شهرة يدخل الشخص تحت مسمى (هوس الشهرة) ويكون (مريض الشهرة) وهو اضطراب ثنائى القطب يجمع بين بعض أعراض الاكتئاب ومرض الهوس وينصح الشخص بالتوجه لزيارة طبيب أو معالج نفسى لمساعدته فى التخلص من المرض والعودة لحالة طبيعية من الصحة النفسية .

ظاهرة هوس الشهرة زادت فى السنوات القليلة الأخيرة وساعد على ذلك وجود مواقع تمكن الأشخاص من ربح الأموال عن طريق عرض فيديوهات خاصة لهم أو لآخرين ونجاح هذه الفيديوهات فى جلب عدد كبير من المشاهدين حول العالم مما يجلب إعلانات دعائية تدر أموال على الموقع الذى يعطى نسبة من الأرباح لمالك حقوق الفيديو الأكثر فى المشاهدة , من أشهر هذه المواقع(youtube_ dailymotion_ vimeo), والموقع الأكثر رواجا فى العالم العربى هو اليوتيوب حيث يطمح الكثير من الشباب لتحقيق عدد مشاهدات ضخمة تمكنه من ربح أموال طائلة من خلال استخدام هذا الموقع , وفى سبيل ذلك قد يكون المحتوى تافه بلا قيمة حقيقية أو بدون ضابط أخلاقى من الشخص والموقع فتسود التفاهة والانحطاط .

الشهرة جيدة للشخص ويمكن أن توفر له علاقات ومعارف فى مجالات عديدة مثل المجالات الفنية والأدبية حيث يعتمد الفرد على الصيت الواسع والسمعة الطيبة وحب الناس والرغبة فى متابعة أعماله , لكن الشهرة تجعل الفرد لا يعيش فى راحة طوال الوقت لأن ما يفعله يكون تحت رقابة الجماهير والمجتمع ولا يستطيع ممارسة حياته بشكل طبيعى من الخروج بين الناس بسهولة والتنزه وارتداء ما يعجبه من ملابس والتصرف بطريقة طبيعية وعفوية مع الجميع فقد تثير بعض من هذه التصرفات غضب الجماهير فينقلب الحب والإعجاب لكراهية وازدراء ويفقد مكانته بسرعة بين معجبيه وجماهيره وتصير الشهرة على النقيض شهرة سلبية .

الشهرة ليست عيبا نخجل منه أو نترفع عنه لكن يجب أن يطلبها الإنسان بطريق صحيح فى اكتساب علم نافع أو ثقافة أو تطوير مهارات تخدم المجتمع والناس وتساهم فى نهضة البشرية وجلب السعادة للجميع , وليس عن طريق تقديم محتوى هزلى بلا فائدة مع غياب الأخلاق لمجرد جلب متابعين ونسب مشاهدة عالية تجلب الأموال , كما نهيب بذوى العقول من الجماهير المتابعين التوقف عن متابعة وصناعة هؤلاء الحمقى من المشاهير وعدم إعطائهم إهتمام أكبر من حجم مواهبهم وقدراتهم ودعم الأشخاص الذين يمتلكون مواهب وقدرات عالية تفيد المجتمع وتعمل على تطويره , مع عدم الإلتفات للراغبين فى الشهرة ولو بطريق السخرية والنقد فقد يحقق هذا ما يطمحون له من شهرة حتى لو كانت سلبية , فالأفضل أن نتركهم جانبا ونركز مع من يستحقون الإهتمام والدعم .

طور من نفسك وأظهر علمك ومواهبك للناس من خلال محتوى نافع وهادف وستصل للشهرة عبر الجهد والكفاح لكن حذار أن تكون الشهرة هى هدفك ورسالتك الوحيدة فى الحياة .