فى الزحمة

الزحام والصخب هى الملامح البارزة لسكان المدن الكبرى حول العالم فى السنوات الأخيرة , ملايين من البشر والسيارات فى الطرقات والشوارع منذ الصباح الباكر فى طريقهم للعمل والدراسة أو السفر والتنقل لقضاء أشغال وأعمال مختلفة تخصهم , مما يسبب ازدحام فى الطريق وتكدس مرورى يبقى لدقائق أو ساعات فى بعض أوقات الذروة فى المدن المليونية الكبرى , حتى أنك قد تفقد ساعة أو أكثر يومياً بسبب زحام الطريق فى مدن مثل القاهرة ومكسيكوسيتى وساوباولو ومومباى . النزوح من الريف إلى المدن الكبرى من أكبر أسباب ازدحام المدن بالسكان علاوة على ذلك تمتع المدن بالخدمات والمواصلات وفرص التعليم والعمل يجعلها مناطق جاذبة للسكن , كما لعبت الزيادة السكانية بشكل عام العامل الأكبر فى ظاهرة الزحام والتكدس البشرى فى المدن وعواصم الأقاليم الكبرى فى كل بلد .

زحام الطُرق

سلوكيات الزحام

الزحام يشكل ضغط كبير على البشر فيزداد التوتر والخوف والعصبية والغضب مما يخلق جو مشحون بالنزاعات والشجار بين الناس , يغيب الاحترام ويظهر السباب واللعنات , تكثر العشوائية فى التخطيط والبناء فتظهر المناطق العشوائية بكثرة , تتكدس الناس فى العمارات العالية والحارات الضيقة ويزداد تكدس مخلفاتهم من القمامة فى الطرقات مع تلوث سمعى من مكبرات صوت وآلات تنبيه من السيارات والمحلات والمقاهى والمطاعم المتعددة . شعور قوى بالاغتراب والتضاؤل بين جموع الناس يزيد مع الزحام , تغيب الأهداف وتتشوه الأماكن ويضيع الوقت فى الزحام .

يقل الإبداع ويكثر التقليد وينتج فن وأدب لا يقل فى الرداءة عن واقع الحياة وسط الزحام الخانق . يغلب النمط الاستهلاكى ويقل الاهتمام بجودة المنتجات المعروضة , وتزيد نسبة السلوكيات الشاذة لدى الأفراد مثل التحرش والإدمان والسرقة خاصة أيام الاحتفالات بالأعياد والمناسبات التى تشهد تجمعات بشرية كثيفة . ازدحام كثيف فى وسائل المواصلات العامة وقت الذهاب والعودة من الأعمال يؤدى فى بعض الأوقات مع كثرة السيارات الخاصة لشلل مرورى يصيب المدينة كلها .

أضرار الزحام

الزحام يؤثر على صحة الأفراد كما يؤثر على سلوكياتهم فيسبب لهم العديد من الأمراض النفسية والعضوية حيث نجد أمراض مثل القلق والتوتر والإكتئاب والأرق والصداع وأمراض القلب واضطرابات الجهاز الهضمى وارتفاع ضغط الدم بكثرة فى المدن المزدحمة , كما تزداد نسبة التلوث الصوتى فى المدن وتنعكس بالسلب على الجهاز العصبى وتسبب أمراض الأُذن وزيادة دقات القلب واضطراب النبض . يرتبط الزحام كذلك بالفوضى التى تنتاب البشر وتظهر فى سلوكيات قيادة السيارات بشكل مخالف وعدم الاِلتزام بالأماكن المحددة لوضع القمامة , وعدم اِلتزام المحلات التجارية والمطاعم بالمواعيد المحددة للفتح والإغلاق مع انتشار مكبرات الصوت وآلات العمل المسببة للإزعاج والضوضاء .

يؤثر الزحام كذلك على المجتمع حيث تقل الموارد ويتقلص نصيب الفرد فى الناتج العام والمساحة وتغيب الخصوصية , تظهر مشاكل نقص الماء والغذاء وترتفع تكاليف المعيشة وتتفكك الأُسر ويتسرب الأطفال من التعليم , تزيد نسبة البطالة وتنتشر المقاهى والمتسكعين فى الشوارع وتكثر الخلافات والاحتكاكات وتزداد البلطجة وحوادث الطرق . يتفشى التلوث والأمراض وأبلغ مثال لذلك ظهور العديد من الأمراض فى بلاد شرق آسيا وآخرهم (فيروس كورونا) المنتشر بالصين أكبر بلد على مستوى العالم فى الكثافة السكانية ومن قبله (فيروس سارس) القاتل منذ سنوات قليلة مضت وانتشار الفيروسات بسرعة كبيرة لبلاد أخرى مجاورة للصين.

زحام المواصلات

حلول لمشكلة الزحام

الإنسان يمتلك العقل القادر على التخطيط وإيجاد الحلول لما يواجهه من مشاكل وعقبات لذلك فهو يحاول تخفيف الزحام من خلال بعض الأفكار والقوانين والسلوكيات مثل الطوابير وأرقام الانتظار ونظام حجز الخدمات مسبقاً , كما تتوسع الحكومات فى إنشاء الحدائق والمتنزهات لتخفيف الاختناق السكانى واستيراد ما يلزم الشعوب من سلع وخدمات ناقصة من الخارج , مع محاولات لرفع الإنتاج المحلى وتحسين مهارات الأفراد , وبناء الجسور والكبارى لتسهيل المرور , مع توفير المواصلات العامة كثيفة الاستخدام من نوعية مترو الأنفاق والقطارات والعبارات , ومحاولة إيجاد مشاريع كثيفة العمالة لمواجهة البطالة . تلجأ بعض الحكومات لبناء مدن جديدة جاذبة للسكان للتخفيف عن المدن القديمة , مع التشجيع على استصلاح الصحراء وزراعتها لجذب السكان وزيادة الإنتاج الزراعى والحيوانى , مع إضافة أحياء جديدة للمدن الكبرى لتخفيف التكدس فى الأحياء القديمة وحل مشكلة نقص المساكن .

رغم كل الحلول والأفكار المستخدمة الزيادة السكانية تزيد بنسب مرتفعة كل عام عن العام السابق وتمتلىء المدن الكبرى والعواصم بطوفان من البشر الباحثين عن أعمال وخدمات تُدر ما يكفى لهم لجلب الطعام والملبس وتكاليف السكن , وسط هذا الطوفان الهادر اللاهث وراء لقمة العيش نلمس أختفاء أو تقلص مشاعر وسلوكيات كانت رائجة فى الماضى منها الاحترام والتسامح والعطف والرحمة والنظافة والنظام , مصاحب لهم غياب الود والحب بين الناس فى التعاملات اليومية فالزحام يحول الناس لوحوش آدمية فى رداء البشر .

أغنية زحمة يا دنيا زحمة

النفس الأخير

المرض النفسى وحش كامن فى خلايا جسم الإنسان يتلاعب بالجهاز العصبى ويرهق جميع الأعضاء حتى تخور قوى الجسد فيستسلم للمعاناة والمرض , أو يلجأ لفعل عنيف لإيقاف الوجع بشكل نهائى ويكتب بنفسه نهاية حياته عن طريق الانتحار .

أمراض نفسية تدفع للانتحار :

_ الاكتئاب : هو أكثر مرض نفسى قد يؤدى بالمريض للتفكير فى الانتحار,حيث يميل المريض للعزلة واليأس ولا يستطيع العمل بكفاءة مع شعور قوى بعدم الجدوى وانخفاض الجهد والطاقة العامة للشخص.

_ اضطراب القلق : أفكار لا تتوقف فى عقل المريض تجعله يعانى من القلق والخوف دون أسباب ظاهرة مع توقع دائم بحدوث مشاكل مستقبلية , ويراود الشخص فكرة الانتحار كرد فعل للتخلص من كل ذلك .

_ مرض الفصام (الشيزوفرينيا) : مرض يصيب خلايا العقل ويجعل المصاب غير قادر على تمييز الخيال من الواقع , مع التعرض لهلاوس فى السمع والبصر وانعدام القدرة على التفاعل مع أحداث الحياة ويؤدى فى بعض الحالات لمحاولة إيذاء النفس أو إيذاء الآخرين .

_ الإدمان : هو الإعتماد الشديد على مؤثر خارجى للشعور بالسعادة مع ظهور اضطرابات وتغيرات فى سلوك الشخص المدمن , أشهر أنواعه تعاطى المخدرات ويصل فى مراحله المتقدمة للتفكير فى الانتحار وإيذاء الآخرين .

_ الوسواس القهرى : اضطراب نفسى ناجم من فكرة مسيطرة على الشخص طوال الوقت تقوده للتوهم والشك المرضى , تتحول لسلوك معتاد متكرر ومع تدهور حالة المريض يصل للتفكير فى الانتحار .

_ اضطراب ثنائى القطب : عبارة عن نوبات من الهوس والبهجة العارمة يليها نوبات من الاكتئاب الحاد ,وتصل النوبة الواحدة لإسبوع أو أكثر ويمكن أن يفكر المريض خلال النوبة فى الانتحار .

_ اضطراب الشخصية الحدية : نوبات من الغضب الشديد والميل للعنف يأتى بعدها هدوء شديد , وتقلبات بين الحب القوى والكراهية الشديدة لنفس الأشياء والأشخاص , يميل المصاب بالشخصية الحدية لإيذاء نفسه بإستخدام آلة حادة أو الحرق وضرب الرأس بعنف متواصل .

_ أمراض عضوية : يفكر بعض مرضى الأمراض الخطيرة مثل السرطان والإيدز فى الانتحار بعد معاناتهم من ألم المرض المبرحة وإنخفاض الحالة النفسية والمعنوية للمريض مع التأثير القوى الذى يسببه علاج بعض الأمراض المزمنة على الجسد كله .

أسباب أخرى للانتحار : يمكن أن تؤدى أشياء أخرى لتفكير الأشخاص فى الانتحار مثل :

التعرض للاغتصاب والانتهاك الجسدى _ فقد شخص عزيز من الأصدقاء أو أفراد العائلة _ التعرض للتنمر _ اضطرابات الميول الجنسية _ الصدمات النفسية _ التعسر المالى والضغوط الاقتصادية على الأفراد _ الصدمات العاطفية _ الجينات الوراثية من العائلة _ الاطلاع على أخبار الانتحار بالقراءة أو السماع ومشاهدة فيديوهات _ القرب من شخص مات منتحرا .

علاج أفكار الانتحار : عند الشعور بأفكار انتحارية يجب على الشخص أو المحيطين به اللجوء السريع للمعالج أو الطبيب النفسى المتخصص والذى بدوره سيضع خطة العلاج بناء على تشخيصه لحالة المريض لمواجهة الأزمة بسرعة وحلها , نذكر بعض إرشادات عامة تساعد فى ذلك :

1_ التحدث مع أشخاص تحبهم من العائلة والأصدقاء .

2_ التعرض لأشعة الشمس فى أغلب الأيام ولو لفترة وجيزة .

3_ ممارسة الرياضة تساعد على تحسين المزاج والشعور بالراحة .

4_ عدم العزلة والبقاء وحيدا لفترات طويلة .

5_ عدم تعاطى الكحول والمخدرات .

6_ التخلص من الأشياء المحتملة لإيذاء النفس كالأسلحة النارية والحادة .

7_ الانضمام لمجموعات الدعم النفسى وتخفيف الضغوط .

8_ تجنب مشاهدة العنف والمواقع التى تشجع على الانتحار .

9_ الكتابة عن أفكارك ومشاعرك يساعد على تخفيف الألم والضغط .

10_ التفكير الدائم فى أن المشاعر السلبية مؤقتة وستتغير فى المستقبل .

11_ تحديد أنشطة ترفيهية يومية مثل مشاهدة فيلم أو سماع موسيقى أو التنزه .

12_ التفكير فى الأشياء التى تشعرك بالسعادة والأشخاص الذين تحبهم وتجنب التفكير فى ما يغضبك ويحزنك .

المتعة بديل الألم :

يمر الإنسان بظروف عصيبة عديدة فى حياته منذ لحظة الميلاد وحتى الوفاة , عبر القرآن الكريم عن ذلك فى الآية ( لقد خلقنا الإنسان فى كبد ) وهى المشقة والعناء المتواصل , لا يوجد شخص لم يجرب شعور الألم سواء الجسدى أو المعنوى , وهناك من يصبر ويحاول أن يخفف عن نفسه وعن الناس وآخر يضجر ويعيش كضحية لألم الحياة ومر الشكوى من الدنيا وما فيها , ولو أنه ترك لعقله مساحة من التفكير لأكتشف أن الحياة بها من المتعة والسعادة ما يقارب مقدار الألم والعناء فترك الألم والأحزان وتوجه صوب السعادة بخطوات قوية متزنة , وتنسم أنفاسه بطيب خاطر وقلب مملوء بالرضا حتى يأتى أوان النفس الأخير فيخرج بهدوء مصحوب بالبسمة على ما مضى وما هو آت .