الأمراض الوبائية المشهورة

منذ بداية وجود الإنسان على الأرض شكلت الأمراض والحروب الخطر الأكبر على حياته واستمرار تكاثره على الكوكب , كما حصدت الحروب ملايين من أرواح البشر عبر التاريخ كذلك حصدت الأمراض والأوبئة أرواح ملايين الناس ومات فيها عدد أكبر من كل ضحايا الحروب العالمية . المرض هو العدو الخفى للإنسان لا يستطيع أن يُقاتله بأسلحة المعارك الحربية , لكن يمكن التغلُب عليه من خلال التجارب العلمية والعمل على تطوير الأدوية واللُقاحات الفعالة فى العلاج والحد من تفشَّى العدوى وانتقالها من شخص لأخر فيصبح الخطر أكبر ويتحول المرض إلى وباء محلى أو عالمى كما حدث مع عدد كبير من الأمراض التى صُنفت وباء عالمى وقتلت أعداد كبيرة من البشر والحيوانات فى دول العالم طوال السنوات والقرون الماضية .

الطاعون

يُمكن اعتبار الطاعون أول وباء عالمى قوى على الأرض , ظهر عام 165 ميلادى وانتشر فى جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية , كانت أعراضه تتمثل فى الإسهال الأسود والسُعال الكثيف , الرائحة الكريهة للتنفس مع ظهور طفح جلدى أسود وأحمر فى جميع مناطق الجسم , استمر فى الانتشار حتى عام 180 ميلادى وكان عدد الوفيات يُقارب 5 ملايين شخص من بينهم الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) والعديد من جنود الجيش الرومانى مما ساهم فى نهاية الإمبراطورية الرومانية .

ظهرت موجة جديدة من الطاعون ما بين عام 1346 إلى عام 1353 , أطلق عليها الناس لقب (الطاعون الأسود) وانتشرت بضراوة فى جميع قارات العالم القديم أوروبا وآسيا وإفريقيا , يُرجح أن المرض انتشر عن طريق براغيث الفئران المُصابة على متن السُفن التجارية وتحولت للدغ البشر بعد وفاة الفئران فنقلت لهم المرض , كانت جائحة المرض شديدة ووصلت تقديرات الوفاة إلى ما بين 100 أو 200 مليون شخص .

ضيق التنفس فى الأمراض الصدرية

الجُدَرى

ظهر مرض الجُدَرى فى القرن الخامس عشر وانتقل بشدة فى القرن السادس عشر بعد وصول الأوروبيون إلى قارة أمريكا , هو مرض فيروسى تظهر له أعراض فى ارتفاع الحرارة وآلام فى العضلات والجسم وصداع ثم تظهر خُراجات فى الفم وبثور صغيرة كثيفة على الجسم كله , البثور لا تزول وتُمثل تشوهات فى الجسد ويمكن أن يتسبب فى العمى فى بعض الحالات المُصابة , هو من الأمراض القاتلة حيث حصد أرواح من 300 إلى 500 مليون شخص فى القرن العشرين فقط , لكن لحسن الحظ تم الإعلان عن إختفاء المرض والقضاء عليه تماماً بعد تطوير لُقاح فعال ضده فى عام 1980 ولم تُسجل حالات جديدة بعد ذلك .

مرض الحصبة

مرض فيروسى يُصيب الأطفال غالباً وينتقل عن طريق الرذاذ فى السُعال أو العُطاس , يظهر على الجسم فى صورة طفح أحمر على الجلد وأعراض تُشابه نزلات البرد الشديدة مع ظهور بُقع بيضاء داخل الفم , أفضل طُرق الوقاية من مرض الحصبة هى تلقى اللُقاح التحصينى من المرض فى فترة الطفولة , يُمكن أن يُسبب مضاعفات مثل الإسهال والتهاب الرئة والتهاب الأُذن الوسطى , من أكثر الأمراض التى انتشرت فى السابق فى قارة أمريكا الشمالية والجنوبية ومن أسباب تدمير حضارة الإنكا حيث بلغت الوفيات بهذا المرض أكثر من 200 مليون شخص .

الجُذام

مرض مُعدى ومُزمن , يأتى من بكتيريا (المُتفطرة الجُذامية) , يُطلق عليه اسم (مرض هانسن) نسبة للطبيب الذى اكتشف البكتيريا المُسببة للمرض , يؤثر على الأعصاب والأطراف والجلد والجهاز التنفُسى والعينين ويُسبب ضعف العضلات والتشوه فى الجسم كله . غالباً يعيش الأشخاص المُصابون بالجُذام فى أماكن للحجر الصحى لمنع انتشار المرض , العدوى تنتقل مع السُعال والعطس من الشخص المُصاب ولا تنتقل باللمس .

الكُوليرا

هو أشهر مرض فى القرن التاسع عشر وشهد ستة موجات انتشار كبيرة وبائية لمرض الكوليرا بداية من عام 1817 , تحول من مرض محلى مُنتشر فى الهند إلى وباء عالمى وصل إلى جميع دول العالم بسبب تطور أدوات النقل والسفر وسوء الظروف الصحية , تنتشر البكتيريا المُسببة لمرض الكوليرا عن طريق الماء والغذاء الملوث , ويُسبب أعراض القىء الشديد والإسهال والتشنجات والتقلصات والجفاف الشديد مما يُعرض للوفاة بعد فقد الجسم للسوائل والأملاح فى غضون ساعات قليلة . ساهم التقدم العلمى والعُمرانى فى تحسن وسائل وخدمات الصرف الصحى وأصبحت حالات الكوليرا نادرة فى الدول الكبيرة لكن المرض لا يزال يُمثل خطر على الدول الفقيرة وتتخطى حالات الوفاة بالكوليرا فى العالم كل عام 100 ألف شخص حسب تقديرات مُنظمة الصحة العالمية .

ارتفاع الحرارة من أعراض الأمراض الوبائية

مرض السُّل (الدرن)

من الأمراض التنفُسية الذى تُسببه بكتيريا تُصيب الرئتين وينتشر مع الرذاذ فى السُعال والعطس والمُصافحة والتقبيل , من أعراضه السُعال المستمر المصحوب بالدماء وألم فى الصدر مع فُقدان الوزن والشهية والحُمى والتَعرق والخمول . فى القرن التاسع عشر قضى مرض السُّل على ربع سكان أوروبا وتم تسميته (الطاعون الأبيض) , رغم أساليب العلاج الحديث لا يزال المرض يؤثر على 8 ملايين شخص كل عام وتصل الوفيات بالسُّل كل عام بين مليون و2 مليون شخص سنوياً .

الملاريا

من الأمراض التى تأتى من الطُفيليات والميكروبات المنتقلة عبر لدغات البعوض ومنها بعض الفصائل الفيروسية كذلك , ينتشر المرض حول المياه الراكدة , تُعتبر قارة إفريقيا أكثر قارة فى نسبة الإصابات بمرض الملاريا حول العالم , إذا لم يتم علاج المُصاب خلال 24 ساعة تؤدى لأعراض شديدة تتسبب فى الوفاة فى أغلب الحالات . انتشر هذا الوباء أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية وقتل حوالى 100 ألف جُندى , يُسبب الحُمى والقشعريرة وأعراض تُشابه الإنفلونزا , لا يزال مرض الملاريا من أخطر الأمراض فى العالم حيث يوجد ما يُقارب 200 مليون مُصاب وتتجاوز الوفيات نصف مليون شخص كل عام .

الإنفلونزا الإسبانية

فى نهاية الحرب العالمية الأولى وبالتحديد فى شهر مارس عام 1918 ظهرت حالات وفيات كبيرة بين المدنيين والعسكريين وتم أكتشاف أخطر مرض وبائى فى القرن العشرين , أطلق عليه البعض لقب ( الإنفلونزا الإسبانية) والبعض الأخر (الإنفلونزا العُظمى) أو (إنفلونزا 1918) , يشتبه العلماء فى أن المرض انتقل من الطيور إلى الإنسان , ثم انتقل بسرعة شديدة مع الجُنود العائدين من الحرب إلى بلادهم , كانت أعراضه تُشبه أعراض الإنفلونزا الموسمية العادية مثل الحُمى والغثيان والألم والإسهال وبعض الأوقات بُقع سوداء على الخدين , وتعرض الأشخاص المصابين للموت بسبب نقص الأُكسجين وامتلاء الرئتين بالسوائل , كانت إسبانيا من أكثر الدول تأثراً بالمرض وأُصيب به الملك الإسبانى (ألفونسو الثامن) لفترة من الزمن . كانت الوفيات مُعظمها فى فئة الشباب بين 20 إلى 40 سنة , انتشر المرض بشدة ولم ينجح الأطباء فى الوصول لعلاج حتى أصاب ثُلث سُكان العالم , وبلغت الوفيات حوالى 50 مليون شخص وفى تقدير آخر 100 مليون شخص , قبل أن ينتهى المرض فى صيف عام 1919 ليُسجل نفسه فى التاريخ كأقوى مرض وبائى فى الإصابات والوفيات .

العالم يواجه خطر انتشار أحد الأمراض الوبائية الآن هو (فيروس كورونا) الذى تخطت عدد الإصابات به مليون شخص ووصلت الوفيات لأكثر من 60 ألف شخص حول العالم , والكل يرجو ويتمنى ويتوجه بالدعاء أن ينتهى المرض سريعاً ويزول الخطر ويعود العالم لحالة الهدوء والسلام والطمأنينة .

غسل اليد جيداً لمكافحة انتشار الفيروس

الأمية فى الدول العربية

التعليم والثقافة من أكثر العوامل تأثيرا فى شخصية الإنسان , وتعد زيادة نسبة الأمية فى الدول العربية من أكبر المشكلات التى تؤثر بالسلب على معدلات التقدم الاقتصادى والتكنولوجى والثقافى بها ,ويتبع ذلك زيادة معدلات الجهل والفقر والجريمة والتطرف الفكرى للأفراد والجماعات .

عدم قدرة فرد على القراءة والكتابة تسمى أمية وقد يمتد تأثيرها على الأفراد الأخرين المتعاملين معه فى المجتمع , على العكس فى بعض الدول المتقدمة تقاس نسبة الأمية بعدم تعلم الفرد لغات أجنبية غير اللغة الأصلية وإجادة مهارات الحاسب الآلى والتعامل مع أدوات التكنولوجيا الحديثة.

أسباب الأمية فى الوطن العربى :

_ سوء الأحوال الاقتصادية : تشير كثير من الدراسات لزيادة نسبة الأمية فى البلاد التى تعانى من أحوال اقتصادية سيئة مثل مصر والسودان وتقل النسبة فى الدول ذات الاقتصاد القوى مثل دول الخليج العربى.

_ عدم الوعى بأهمية التعليم : يظن الغالبية فى الوطن العربى أن دور التعليم هو الحصول على وظيفة جيدة أو عمل ثابت ولذلك لو حصل شخص على عمل دون إتمام التعليم أو الذهاب للمدرسة فلن يهتم بالتعليم فيما بعد .

_ تراجع دور المرأة العربية : التقليل من مكانة المرأة فى المجتمع العربى وعدم عملها فى وظائف مهمة ومناصب عليا وقصر دورها على الاهتمام بشئون الأسرة ساهم على زيادة نسبة الأمية بين النساء العربيات حتى وصلت 60% فى بعض الدول .

_ انخفاض مستوى الدخل : التعليم فى المنطقة العربية مكلف جدا رغم المجانية الحكومية ويمثل ثقل كبير على الأسرة العربية مع زيادة التضخم الاقتصادى وتراجع الأجور تقوم بعض الأسر بحرمان الأطفال من التعليم والدفع بهم إلى سوق العمل للمساهمة فى رفع الدخل .

_ سوء أحوال منظومة التعليم : لا تمتلك معظم المدارس فى الوطن العربى وسائل تعليمية حديثة ومتطورة لتواكب العصر الحديث مع كثافة طلابية عالية فى الفصول وكفاءة منخفضة للمعلمين والإداريين مما يؤدى لارتفاع نسبة الأمية .

_ زيادة الحروب فى المنطقة : زيادة الحروب فى المنطقة العربية وتشرد الأسر والنزوح من مدن ودول إلى أخرى مع التوجه للإنفاق على الجيش والتسليح وتقليل النفقات على التعليم زاد من حجم المشكلات التى تواجه العملية التعليمية وساهم فى زيادة الأمية .

_ سياسات الحكومات نحو التعليم : سياسات الحكومات المتعاقبة فى الدول العربية تشكل العامل الأكبر فى جودة التعليم من عدمه ,حيث يتم تخصيص ميزانية قليلة للتعليم لا تكفى لعملية الدعم والتطوير المطلوبة وعدم الاهتمام بالقضاء على الأمية من خلال إجراءات وبرامج حقيقية .

_ العادات والتقاليد المنتشرة : تسود بعض العادات والتقاليد التى تمنع المرأة من التعليم والعمل فى بعض المجتمعات الريفية والبدوية وشيوع الزواج المبكر للفتيات مما يساهم فى رفع نسبة الأمية بها عن مجتمعات المدن والحضر بين النساء والرجال على السواء .

نسبة الأمية فى البلاد العربية :

سجلت الهند أعلى عدد من الأميين فى العالم بلغ 286 مليون شخص , وتأتى قارة إفريقيا هى الأعلى فى نسبة الأمية بين القارات بنسة 38 % من السكان البالغين . أما فى الوطن العربى فبرغم انخفاض الأمية عن السنوات السابقة فإن معدلات الأمية لازالت كبيرة بالمقارنة بالمعدل العالمى حيث بلغت عام 2018 نسبة 21 % مقارنة بالمعدل العالمى 13.6 % . نسبة الأمية للذكور فى الوطن العربى 14.6 % وعند الإناث 25.9%, وتزداد نسبة الأمية بين الإناث فى عدد من الدول حتى تصل بين 60 و80% .بلغ عدد الأميين فى العالم العربى عام 2016 حوالى 65 مليون وكانت النسبة فى بعض الدول كالآتى :

الأمية فى موريتانيا : 48 %

الأمية فى اليمن : 30 %

الأمية فى المغرب : 28 %

الأمية فى مصر : 24 %

الأمية فى تونس : 19 %

الأمية فى الإمارات : 7 %

الأمية فى السعودية : 5 %

الأمية فى الكويت : 4 %

الأمية فى فلسطين : 3 %

الأمية فى قطر : 2 %

أعلى نسبة أمية فى الوطن العربى فى الصومال وتتراوح بين 60 إلى 70 % .

الأمية الثقافية والتكنولوجية :

الحياة تتطور باستمرار وبسرعة كبيرة , وتحدث كل يوم اكتشافات علمية وفكرية جديدة ولذلك يجب على الإنسان أن يطور من أفكاره ومهاراته المكتسبة للتعامل مع كل ما هو حديث , فلم يعد تعلم القراءة والكتابة فقط يكفى الإنسان للابتعاد عن الأمية والجهل فبعض المتعلمين والحاصلين على شهادات عالية لا يعرفون شىء خارج تخصصهم أو شىء من الثقافة العامة المطلوبة لكل فرد وقد يكتفون بما تمت دراسته من قبل ولا يهتمون بالإطلاع على الجديد فى التخصص أو ما تم اكتشافه واختراعه حديثا , كما لا يهتم البعض بإتقان التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة مما يشيع روح التعصب والإنغلاق الفكرى وعدم التفكير العلمى والبعد عن الثقافة فى المجتمعات العربية , ويجب على الحكومات ومنظمات المجتمع المدنى العمل على نشر الثقافة وحب القراءة والإطلاع بين الأفراد لدفع معدلات التنمية الاقتصادية والبشرية مع توفير وتسهيل استخدام وسائل التكنولوجيا للأفراد والحكومات مما يسهم فى زيادة الكفاءة والإنتاج فى الدول العربية , ويكفى أن تعرف أن بين كل خمس أشخاص فى الوطن العربى شخص لا يعرف القراءة والكتابة , ومن ناحية الثقافة العامة والرقمية فحدث ولا حرج .

( العلم يبنى بيوتا لا عماد لها ….. والجهل يهدم بيوت العز والكرم ) .