الكلام الطيب

الكلمة مفتاح القلوب ورسالة الأفكار بين المُتكلم والسامع , يُمكن أن تُسر بها النفوس وتنشرح لها القلوب ويبقى بها أثر طيب لمدة طويلة , وكذلك تستطيع الكلمة أن تزرع فى نفوس الناس بُذور البغضاء والكراهية والخصام وتُغلق القلوب والأبواب وتُفرق الإخوان والأحباب . الكلمة الطيبة كالعطر جميل الرائحة يتعطر بها صاحبها وتنساب من فمه فتُعطر الأماكن وآذان المستمعين وتربت على القلوب وتُلطف الحوار , تَحصُل بها على ما ترغب فيه فتُقرب ما هو بعيد وتُيسر الصعاب وتفتح الطريق وتُذلل الأسباب لبلوغ كل الغايات والأغراض الصعبة . الكلمة تُعطى الشخص المكانة فى القلوب فترفع من تقديره أو تخفض من مكانته , وهو يملكها ما لم يتكلَّم بها فإذا خرجت من فم إنسان ملكته .

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

تأثير الكلمة فى الأديان

تَلقى الأنبياء رسالة الأديان ونقلوها للناس عن طريق الكلمة والوحى الإلهى فكانت الكُتب المُقدسة وتعاليم الأنبياء كلمات تُنير الطريق لهداية البشر للإيمان بوجود إله خالق كل شىء ومُسيطر على الكون بكل ما فيه ومن فيه من مخلوقات , انتقلت رسالات وتعاليم الأديان عبر العُصور عن طريق الكلمات المنطوقة والمكتوبة وغزت القلوب والعُقول فآمن بها عدد كبير من الناس ونشروها وطبقوها فى ما بينهم كقوانين لتسيير الحياة وما فيها .

تظهر مكانة الكلمة الطيبة فى (الكتاب المقدس) : ” الغم فى قلب الرجل يُحنيه, والكلمة الطيبة تُفرحه “(سفر الأمثال /إصحاح 12) , فى رسالة (القديس يوحنا) : ” أيها الأحباء , إن كان الله قد أحبنا هكذا , ينبغى لنا أيضا أن يُحب بعضنا بعضاً ” , من أقوال ( القديس يوحنا سابا ) : ” الكلمة الطيبة التى تقولها اليوم ستأتى بثمرها غداً ” .

فى (القرآن الكريم) آيات كثيرة عن مكانة الكلمة وقدرها والفرق بين الكلام الطيب والكلام الخبيث السىء , قال تعالى : ” إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه ” (فاطر/10) , وقال أيضا : ” ألم ترى كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ” (إبراهيم/24) , ” ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار ” (إبراهيم/26) , فى أحاديث النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) تقدير كبير للكلمة الطيبة وأثرها فى القلوب : ” والكلمة الطيبة صدقة ” , ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ” , ” اتقوا النار ولو بشِق تمرة , فمن لم يجد فبكلمة طيبة ” .

آثار الكلمة الطيبة

  • تأليف القلوب وإصلاح النفوس وجلاء الحزن والغضب .
  • إدخال السرور والسعادة والرضا وبث روح التفاؤل والطمأنينة .
  • من تمام الإيمان والتقرب إلى الله بصدقة الكلمة الطيبة .
  • دليل واضح على أخلاق الشخص الحسنة وطبعه السمح .
  • هى من أسباب تحقيق المحبة والمودة والأُلفة بين الناس .
  • من أسباب مغفرة وتكفير الذُنوب ودخول الجنة والعتق من النار .
  • من صفات الأنبياء والمؤمنين والدُعاة لكل المذاهب الفكرية والإجتماعية .
  • انتصار على كيد الشيطان وضعاف النفوس الذين يُشيعون روح السِباب والنزاع والبغضاء .
  • تقديم النصيحة والتوجيه للآخرين وهدايتهم إلى الصواب بالحكمة والموعظة الحسنة .
  • تجذب الحب من الناس أصدقاء وزملاء عمل لمن يقولها فيُصبح مصدر التفاؤل والخير .
  • توطيد الروابط الإجتماعية والصلح بين المُتخاصمين من العائلة والأصدقاء والجيران .
  • الكلمة الطيبة تجلب الرد الطيب من الطرف الآخر فتشيع روح الاحترام والود والمحبة فى المجتمع .

الكلمة الطيبة فى هذا الزمان أصبحت مثل العُملة النادرة لا يتم تداولها بكثرة وانتشرت الكلمات والأفكار الخبيثة والسِباب , أهتم الناس بجمع المال أكثر من جمع الأخلاق والحكمة والعلوم والحسنات فتهدمت الأديان وضاعت الأخلاق وتاهت الكلمات وتشوهت الأفكار .

قوة الكلمة

فى مشهد من مسرحية (الحسين ثائراً) للكاتب (عبدالرحمن الشرقاوى) يرد الحسين على من يطلبون كلمته وكأنها لن تؤثر فى شىء فيقول :

أتعرف ما معنى الكلمة ؟

مفتاح الجنة فى كلمة

دخول النار فى كلمة

وقضاء الله هو كلمة

الكلمة لو تعرف حرمه زاد مزخور

الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور

وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النُبل البشرى

الكلمة فرقان بين نَبىّ وبَغىّ

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور , ودليل تتبعه الأُمة

عيسى ما كان سوى كلمة

أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

.. فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

إن الكلمة مسؤولية إن الرجل هو كلمة , شرف الله هو الكلمة

هل تعرفون الآن ما معنى الكلمة ؟ فأكثروا من الكلام الطيب والقول اللين وابتعدوا عن الكلام الخبيث , (وقولوا للناس حُسْناً ) .

الفعل ورد الفعل

عندما سقطت التفاحة على رأس نيوتن تحرك عقله كرد فعل وحاول تفسير لماذا سقطت إلى الأسفل ولم تصعد إلى الأعلى ؟ وتوصل لإكتشاف الجاذبية الأرضية ثم وضع بعدها العديد من القوانين التى جعلته من أشهر علماء الفيزياء , على عكس الكثير من البشر يمرون بمواقف مشابهة لموقف نيوتن ويصدر عنهم ردود أفعال مختلفة فمنهم من يكتفى بأكل التفاحة أو لا يلتفت لها على الأطلاق . من أهم القوانين التى وضعها إسحاق نيوتن (قانون الفعل ورد الفعل) الذى ينص على : ( لكل فعل رد فعل مساوى له فى المقدار ومضاد له فى الاتجاه ).

ينطبق هذا القانون فى مجال الفيزياء على الطبيعة والكون الذى نعيش فيه ويمكن ملاحظته خلال أبسط مظاهر الحياة مثل : سقوط المطر فى الصحراء(فعل) ظهور نباتات بعد فترة فى الصحراء(رد فعل), كما ينطبق على الحيوانات حيث أن أغلب الحيوانات الضارة لا تقوم باللسع أو العض والمهاجمة إلا كرد فعل نابع من خوفها من الطرف الآخر وليس لمجرد الاعتداء .

السلوك البشرى يمكن تحليله و وصفه من خلال قانون الفعل ورد الفعل فى أوقات عديدة فمن الناس من يبدأ بإلقاء السلام فيكون الرد بالسلام أو الصمت ومن الناس من يلقى السباب واللعنات فيكون رد الفعل العراك والمشاجرة , الفعل هو السلوك الأول والفاعل يأخذ زمام المبادرة دائما ويمكن أن يوجه رد الفعل فى الاتجاه الذى يريده غالبا بينما يكتفى طرف رد الفعل بمحاولة الدفاع عن نفسه وصد الهجوم والخروج بأقل خسائر ممكنة ومن الصعب أن يفكر فى الهجوم وأن يصبح هو الفاعل , تسير الحياة بهذه الطريقة بين من يصنع القرار أو الحدث ومن ينفذ أو ينصاع للأمر أو يرفضه , دائما الفعل ورد الفعل حتى من يحاول التقليد هو رد فعل للفاعل الأصلى .

تختلف سلوكيات الإنسان من أفعال وردود أفعال وفقا لعوامل كثيرة منها التنشئة والتعليم والثقافة والعمل الذى يقوم به والخبرات والتجارب المكتسبة من الحياة والحالة الجسدية والنفسية التى يمر بها الشخص وقت قيامه بالفعل أو السلوك ,فيمكن أن نجد رد فعل مختلف من كل شخص تجاه سلوك شخص معين أو صدور قانون معين كما يمكن أن نلاحظ رد فعل مختلف من نفس الشخص تجاه نفس الفعل فى فترات زمنية مختلفة .

فى الظروف الطبيعية يألف الإنسان من يبادله الود والحب والاهتمام وينفر من الكراهية وعدم الاهتمام واللامبالاة فالبسمة تقابل بالبسمة والعبوس كذلك كما يجلب الصراخ الصراخ واللعنات , ولا يولد العنف سوى العنف والدمار كما يولد السلام الأمان والطمأنينة , ولا يمكن أن تعطى الحب وتحصد الكراهية ولو حدث هذا فستتوقف عن إعطاء الحب كرد فعل على الكراهية الموجهة ضدك ,وتدور الدائرة ويمكن أن تضطر لإعطاء الكراهية بدلا عن الحب أو أن تنسحب على أقل تقدير كفعل أو كرد فعل .

يجب أن تحاول السيطرة دائما على حياتك وأخذ جميع القرارات الهامة بنفسك كفاعل بعد تفكير عميق ومتزن , أن تمسك بزمام المبادرة لتكون فى موقف أقوى من موقف المدافع عن نفسه كرد فعل فخير الناس من يبدأ بالسلام ومن يلقى بذور المحبة والود حتى لو لم تجد أرض خصبة لتنمو بها فى الوقت الحالى , فربما تتغير التربة فى المستقبل وتعطيك أطيب الثمر ويفيض ماء المحبة من الأنهار وتغرد الطيور فوق الشجر .