يوم الأم

الأُمومة غريزة وفطرة لدى المرأة تظهر فى كل ما تقوم به منذ الطفولة من مظاهر الرعاية والعناية بالآخرين , فنجدها تؤدى دور الأم مع العرائس التى تلعب بها فى طفولتها وتميل للعناية بالحيوانات والطيور الأليفة ورعايتها وتقديم الطعام والشراب لها , عندما تكبر قليلاً يمكن أن تمارس الأُمومة مع الأخوة والأخوات وترعى الوالدين وتحنو عليهم , إلى أن يأتى الوقت الذى تتزوج فيه وتُرزق بأطفال فتظهر الأُمومة الواضحة وتُشبع فطرتها بتربية وتنشئة ورعاية الأطفال بكل ما تملك من عطف وحب وعطاء متدفق دون انتظار مُقابل مادى أو معنوى لكل ما تفعل . الأم هى مصدر الحياة الأول للأبناء من بداية مرحلة حمل الطفل تسعة أشهر فى بطنها وتحملها لألم الولادة بعدها لكى يخرج الطفل ويرى نور الحياة , تعهُدها الطفل بعد ذلك بالرضاعة والطعام والسهر على راحته حتى يكبر ويشتد عوده ويتمكن من رعاية نفسه .

حنان الأم

دور الأم فى حياة الأبناء

للأم دور كبير فى حياة الأبناء لا يستطيع أن ينكره شخص عاقل , يبدأ دورها بمرحلة الحمل والولادة والرضاعة ثم مرحلة الرعاية والعناية الشديدة فى الطفولة , وحرصها على تربية الأطفال على القيم والأخلاق الحميدة والاهتمام بتوفير التعليم الجيد فى المدارس والجامعات وتهيئة المناخ المناسب من أجل مذاكرة الدروس والنجاح فى مراحل التعليم المختلفة , وما يتخلل ذلك من سهر وجهد بجوار الطفل المريض , ومراجعة الدروس مع الأبناء وصناعة الطعام وتنظيف البيت والعمل ليلاً ونهاراً من أجل بيتها وأولادها مع التضحية بكل غالى ونفيس حتى يصل الأبناء لأفضل الدرجات العلمية والوظيفية ويقرر الزواج وإنشاء بيت وعائلة جديدة , حالة من العطاء بلا حدود من جانب الأم تجاه الأبناء لا تنتهى حتى بعد زواجهم وابتعادهم عنها بل تظل تفكر فى أبنائها وتطمئن أن حياتهم تسير بشكل جيد وناجح , لا ينتهى دور الأم وعطائها المستمر إلا بعد وفاتها وتركها الحياة لكنها تبقى فى ذاكرة ونفوس الأبناء إلى الأبد .

مكانة الأم فى الأديان

جميع الأديان تُكرم الأم وتحتفى بدورها ومكانتها العظيمة وتنادى بإكرام الأم والعمل على نيل رضاها والبر بها بكل الطرق الممكنة . فى الدين المسيحى يكفى أن تكون المكانة الكبرى للأم أن السيد المسيح وُلد لأمه مريم العذراء بدون أب وكان لها الدور الأكبر فى تربيته وتنشئته حتى يكبر ويتلقى النبوة , وكان المسيح يُكرم أمه ويبر بها ويخضع لها وينفذ ما تقول وتطلب بسعادة وفرح ورضا , كما كرر المسيح وصية الله لموسى وقال : “فإن الله أوصى قائلاً أكرم أباك وأمك , ومن يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً” , وكذلك أكد (بولس الرسول) كلمات المسيح عندما قال : “أكرم أباك وأمك التى هى أول وصية بوعد” . فى الدين الإسلامى كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية تشير لمكانة الأم العظيمة وتدعو الأبناء لمُعاملة الأم بأفضل الطرق والإحسان لها وتقديرها وطاعتها فى غير المعصية والتأكيد على بر الأم والتماس رضاها فى كل شىء , نذكر منها فى القرآن (سورة لقمان) : ” ووصينا الإنسان بوالديه ,حملته أمه وهناً على وهن وفصاله فى عامين أن أشكر لى ولوالديك ,إلى المصير ” , كما قال الله تعالى فى (سورة الإسراء ): ” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا , إما يبلغن عندك الكبر أحدُهُما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفًّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما ً” , من أقوال النبى (صل الله عليه وسلم) عندما جاء رجل إليه فقال : ( يا رسول الله من أحق الناس بحسن صَحابتى ؟ قال: أمك .قال: ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك ) فقدمها النبى على الأب ثلاث مرات , قال النبى فى حديث آخر : ( رضا الرب فى رضا الوالدين , وسخطه فى سخطهما ) .

الاحتفال بعيد الأم

عيد الأم

بدأت فكرة الاحتفال بعيد الأم فى عصور الرومان والإغريق وأقاموا مهرجانات لتكريم الآلهة الأم (رهيا وسيبيل) , فى العصر الحديث بدأت فكرة الاحتفال بالأم فى الولايات المتحدة على يد (جوليا وارد هاوى ) عام 1872 أثناء الحرب الأهلية حين دعت النساء لنزع السلاح والاحتفال بعيد الأم من أجل السلام , فى عام 1908 أقامت (آنا جارفيس) احتفال بذكرى أمها فى أحد الكنائس فى بلدة جرافتون غرب فرجينيا لتحقيق وصية أمها وظلت تدعو وتبذل أقصى جهدها لنشر فكرة الاحتفال بعيد الأم حتى أعلن الرئيس الأمريكى (وودورو ويلسون) عن تحويل عيد الأم إلى عطلة وطنية رسمية عام 1914 وانتشرت الفكرة بعدها فى أغلب بلاد العالم .

فى الشرق كانت مصر أول دولة تحتفل بعيد الأم وبدأت الفكرة عام 1956 من الصحفى مصطفى أمين وعلى أمين فى صحيفة أخبار اليوم بعد زيارة أحد الأمهات لهم فى الصحيفة والشكوى من انصراف وإهمال الأبناء لها بعد الزواج والاستقلال بحياتهم بعيداً عنها , وكان الاقتراح بتخصيص يوم للاحتفال بالأم والتذكير بفضلها ومحاولة رد الجميل لها على ما قدمته من تضحيات , بعد الدعوات المتكررة تم تخصيص يوم 21 مارس للاحتفال بعيد الأم .

يختلف يوم الاحتفال بعيد الأم من دولة لأخرى حيث تحتفل الدول العربية يوم 21 مارس, فى الأرجنتين الأحد الثالث من شهر أكتوبر, فى الولايات المتحدة الأمريكية الأحد الثانى من شهر مايو, فى البرتغال وإسبانيا أول أحد فى شهر مايو, فى النرويج الأحد الثانى من شهر فبراير , فى فرنسا أخر أحد فى شهر مايو ويمكن تأجيله لأول أحد فى شهر يونيو فى حالة تعارضه مع (عيد العنصرة) .

تختلف دول العالم فى تحديد يوم الاحتفال بالأم لكن لا يمكن أن يختلف أحد على تضحية وعطاء الأم فى سبيل أبنائها والدور العظيم الذى تؤديه فى المجتمع والبيت والعائلة , وضرورة تقدير الأم والإحتفاء بها فى كل الأيام والأوقات وليس يوم وحيد فقط كل عام , الأم تجسيد حقيقى لقول (حافظ إبراهيم) : ( الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق ) , فالشكر والتحية واجبة لكل أم مخلصة تؤدى واجبها بتفانى تجاه أبنائها , والرحمة والدعوات لروح جميع الأمهات الراحلات بعد الكفاح الشاق فى تربية الأجيال.

أغنية أمى ثم أمى

جبر القلوب

تشتد الحياة وتزداد سرعة مرور الأيام فيقوم الإنسان بدوره بالركض خلفها من أجل السعى على الرزق وتحقيق ما يخطط له من أشياء وتذليل العقبات التى تظهر فى الطريق للتقدم نحو أهدافه وإنجازها , فى خضم هذا السباق المحموم بين الإنسان والحياة قد ينسى ولا يلتفت لهموم ومشاكل وأحزان الآخرين وقد يصنع ما هو أشد من ذلك حين يلقى كلمة أو يصنع شيئا يؤذى به مشاعر شخص آخر عن عمد أو بدون قصد مسبق فيكسر خاطره ويؤذى روحه فتزداد روح الشقاق والخلاف ويسود التعصب على المجتمع .

إبتسامة بسيطة أو كلمة طيبة أو نصيحة صادقة يمكن أن تساعد بها شخص آخر يعانى من أزمة شديدة أو مريض يحتاج لرفع حالته المعنوية من أجل الشفاء , وهى أشياء بسيطة لا تكلف الفرد الكثير لكن يكفيك أن تتحلى بأخلاق حسنة وقلب نقى ورغبة فى مساعدة الآخرين وستجد أنك تقوم بهذه الأعمال بشكل تلقائى متكرر وأنها أصبحت من عاداتك الدائمة لتطييب القلوب وإسعاد الآخرين وكسب ودهم ومحبتهم .

فى البدء كانت الكلمة فلا تبخل بها على من يستحقها من أصحاب القلوب المنكسرة وابدأ بالأقارب والمعارف والجيران فهم أولى بها وأحق لأن الأقربون أولى بالمعروف . هل أخبرت زوجتك بكلمة طيبة بعد أن صنعت لك الطعام الذى تحبه ؟ هل ساعدت أحد أقاربك أو أصدقائك فى عمل لايستطيع أن ينهيه وحده ؟ هل مسحت على رأس طفل يتيم أو أعطيت فقير بعض المال للمساعدة ؟ هل قمت بتشجيع شخص محبط ويائس ويشعر بالفشل ؟ وغير ذلك من أشكال جبر الخواطر وإدخال السعادة على القلوب لكن يغفل عنها كثير من البشر وتمر عليهم مرور الكرام .

اهتمت الأديان بجبر الخواطر وظهر هذا فى أكثر من موقف مع السيد المسيح أشهرها عندما رفض رجم المرأة المتهمة بالزنا وقال لهم ( من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ) , وهو عمل عظيم لا يخرج سوى من نبى كريم أشفق على إمرأة أن تقف أمامهم بجسد ضعيف وقلب منكسر فلا تلقى منهم سوى الشماتة والعذاب حتى الموت . وفى الإسلام هناك آيات كريمة وأحاديث نبوية تحض على جبر الخواطر حتى ذهب بعض الصحابة والصالحين إلى القول بأنها من العبادات التى يثاب عليها الإنسان بأجر وثواب كبير من الله , من آيات القرآن ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث ) , وقدم الله جبر الخواطر على الصلاة حين قال ( أرأيت الذى يكذب بالدين , فذلك الذى يدع اليتيم , ولا يحض على طعام المسكين , فويل للمصلين ) . من أقوال النبى (صلى الله عليه وسلم) : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ) , ومن دعاء النبى : ( اللهم اغفر لى وارحمنى واهدنى واجبرنى وارزقنى ) .

فلا تبتئس وتذكر دائما أن من سار بين الناس جابرا للخواطر … أدركه الله فى جوف المخاطر .