الفعل ورد الفعل

عندما سقطت التفاحة على رأس نيوتن تحرك عقله كرد فعل وحاول تفسير لماذا سقطت إلى الأسفل ولم تصعد إلى الأعلى ؟ وتوصل لإكتشاف الجاذبية الأرضية ثم وضع بعدها العديد من القوانين التى جعلته من أشهر علماء الفيزياء , على عكس الكثير من البشر يمرون بمواقف مشابهة لموقف نيوتن ويصدر عنهم ردود أفعال مختلفة فمنهم من يكتفى بأكل التفاحة أو لا يلتفت لها على الأطلاق . من أهم القوانين التى وضعها إسحاق نيوتن (قانون الفعل ورد الفعل) الذى ينص على : ( لكل فعل رد فعل مساوى له فى المقدار ومضاد له فى الاتجاه ).

ينطبق هذا القانون فى مجال الفيزياء على الطبيعة والكون الذى نعيش فيه ويمكن ملاحظته خلال أبسط مظاهر الحياة مثل : سقوط المطر فى الصحراء(فعل) ظهور نباتات بعد فترة فى الصحراء(رد فعل), كما ينطبق على الحيوانات حيث أن أغلب الحيوانات الضارة لا تقوم باللسع أو العض والمهاجمة إلا كرد فعل نابع من خوفها من الطرف الآخر وليس لمجرد الاعتداء .

السلوك البشرى يمكن تحليله و وصفه من خلال قانون الفعل ورد الفعل فى أوقات عديدة فمن الناس من يبدأ بإلقاء السلام فيكون الرد بالسلام أو الصمت ومن الناس من يلقى السباب واللعنات فيكون رد الفعل العراك والمشاجرة , الفعل هو السلوك الأول والفاعل يأخذ زمام المبادرة دائما ويمكن أن يوجه رد الفعل فى الاتجاه الذى يريده غالبا بينما يكتفى طرف رد الفعل بمحاولة الدفاع عن نفسه وصد الهجوم والخروج بأقل خسائر ممكنة ومن الصعب أن يفكر فى الهجوم وأن يصبح هو الفاعل , تسير الحياة بهذه الطريقة بين من يصنع القرار أو الحدث ومن ينفذ أو ينصاع للأمر أو يرفضه , دائما الفعل ورد الفعل حتى من يحاول التقليد هو رد فعل للفاعل الأصلى .

تختلف سلوكيات الإنسان من أفعال وردود أفعال وفقا لعوامل كثيرة منها التنشئة والتعليم والثقافة والعمل الذى يقوم به والخبرات والتجارب المكتسبة من الحياة والحالة الجسدية والنفسية التى يمر بها الشخص وقت قيامه بالفعل أو السلوك ,فيمكن أن نجد رد فعل مختلف من كل شخص تجاه سلوك شخص معين أو صدور قانون معين كما يمكن أن نلاحظ رد فعل مختلف من نفس الشخص تجاه نفس الفعل فى فترات زمنية مختلفة .

فى الظروف الطبيعية يألف الإنسان من يبادله الود والحب والاهتمام وينفر من الكراهية وعدم الاهتمام واللامبالاة فالبسمة تقابل بالبسمة والعبوس كذلك كما يجلب الصراخ الصراخ واللعنات , ولا يولد العنف سوى العنف والدمار كما يولد السلام الأمان والطمأنينة , ولا يمكن أن تعطى الحب وتحصد الكراهية ولو حدث هذا فستتوقف عن إعطاء الحب كرد فعل على الكراهية الموجهة ضدك ,وتدور الدائرة ويمكن أن تضطر لإعطاء الكراهية بدلا عن الحب أو أن تنسحب على أقل تقدير كفعل أو كرد فعل .

يجب أن تحاول السيطرة دائما على حياتك وأخذ جميع القرارات الهامة بنفسك كفاعل بعد تفكير عميق ومتزن , أن تمسك بزمام المبادرة لتكون فى موقف أقوى من موقف المدافع عن نفسه كرد فعل فخير الناس من يبدأ بالسلام ومن يلقى بذور المحبة والود حتى لو لم تجد أرض خصبة لتنمو بها فى الوقت الحالى , فربما تتغير التربة فى المستقبل وتعطيك أطيب الثمر ويفيض ماء المحبة من الأنهار وتغرد الطيور فوق الشجر .

التنمر المجتمعى

ظاهرة التنمر أصبحت من أكثر الظواهر المنتشرة فى المجتمعات العربية والعالمية فى السنوات الأخيرة وهى تعبر عن شكل من أشكال العنف والإيذاء والإساءة التى يقوم بها شخص أو جماعة من الأشخاص تجاه شخص آخر أو مجموعة أخرى من الأشخاص بغرض تخويفهم والترهيب وفرض السيطرة وترويع الآخر وتهديد أمنه وسلامه النفسى .

أنواع التنمر :

_ التنمر المباشر : يكون من خلال فعل مباشر لإيذاء الضحية مثل الدفع والضرب والركل والعض والصفع وغيرها من أشكال الإيذاء البدنى المتعمد .

_ التنمر الغير مباشر : يكون من خلال فعل غير مباشر لإيذاء الضحية مثل التهديد بعزل الشخص إجتماعيا ونشر الشائعات عنه وإنتقاد ما يخصه من ملبس أو دين أو عرق أو لون بشرة وكذلك تهديد من يسانده أو يدعمه .

وتنحصر أشكال التنمر فى ( التنمر اللفظى _ التنمر الجسدى _ التنمر العاطفى ) .

أوساط التنمر :

للأسف الشديد كل مكان يمكن أن يجتمع فيه جماعة من البشر يصلح أن يكون أرض خصبة لظهور آفة التنمر فى العلاقات السائدة بينهم ومن أشهرها :

_ التنمر فى الدراسة : يحدث من خلال الأقران فى المراحل الدراسية المختلفة وبعض الأوقات من المعلمين تجاه الطلبة .

_ التنمر فى العمل : يكون بين زملاء العمل أو من الرؤساء تجاه من يعمل فى مناصب أقل منهم فى العمل .

_ التنمر الإلكترونى : على وسائل التواصل الإجتماعى والبريد الإلكترونى والرسائل عبر المواقع المختلفة.

_ التنمر العائلى : يحدث من الوالدين على الأبناء او الأخوة تجاه بعضهم وفى بعض الأوقات الأقارب .

_ التنمر السياسى : يحدث عن طريق القوة والتهديد بين الدول القوية والضعيفة وأحيانا بين الأحزاب والجماعات السياسية داخل البلد الواحد .

التنمر المدرسى :

نمت ظاهرة التنمر المدرسى فى الفترة الأخيرة وأصبحت من أكثر الظواهر التى تؤثر بالسلب على العملية التعليمية فى معظم بلدان العالم وتسبب آثار وأضرار سيئة على الطلاب مثل :

_ تحول الطلاب للعدوانية وأفتعال المشاكل .

_ تراجع المستوى التعليمى والفشل الأكاديمى .

_ الميل للوحدة والابتعاد عن جماعة الأصدقاء .

_ إحساس دائم بالخوف وعدم الأمان فى المدرسة .

_ الميل للحزن مع تغير فى مدة النوم والشهية للطعام .

_ ظهور كدمات وخدوش فى الجسم .

_ انحراف سلوك الطلاب واللجوء لسرقة المال والتدخين .

_ تظهر على الطلاب مظاهر الخوف وأعراض مثل الصداع وآلام المعدة .

_ قد يلجأ ضحايا التنمر لمحاولة الانتحار فى بعض الأوقات .

التنمر الإلكترونى :

مع ظهور شبكة الإنترنت وانتشار مواقع التواصل الإجتماعى عليها بدأت ظاهرة التنمر فى الزيادة بشكل واضح وملموس لكل رواد المواقع المختلفة فى المحتوى وفى السياسات التى تمكن الفرد من حفظ الخصوصية وعدم التعرض للنصب والإبتزاز الإلكترونى , لكن على الجانب الآخر من الصعب جدا أن توضع قوانين وسياسات تمنع الأشخاص من القيام بفعل التنمر تجاه بعضهم البعض عبر أشكال مختلفة مثل :

_ اتصالات ورسائل للترهيب والتخويف والتشويه للمتلقى .

_ العبث فى الصور الشخصية وتعديلها ونشرها بدون أذن .

_ انتحال الشخصيات واستبعاد أشخاص من وسائط إلكترونية .

_ التعليقات الجارحة والمشينة على صور ومنشورات الأشخاص الآخرين .

علاج التنمر :

يمكن أن نذكر أشياء كثيرة تعمل على تقليل ظاهرة التنمر والعمل على القضاء عليها لكنها ستتلخص فى النهاية فى وعى المجتمع بخطورة التنمر والعمل على نشر الأخلاق الإنسانية ورفع ثقافة المجتمع تجاه تقبل الآخر المختلف عنه , وزرع بذور التعاون والتسامح والمساواة والمحبة والتواضع فى قلوب الأفراد من الطفولة المبكرة حتى الشباب لضمان بناء إنسان يملك عقل ناضج وقلب نقى من الكراهية .

الإرهاب والتطرف الدينى

الإرهاب عمل عنيف يقوم به شخص أو جماعة بغرض إرضاخ الفرد أو المجتمع لآرائه أو أفكاره من خلال القوة ومحاولة زرع الخوف والقلق فى الجميع .

أسباب الإرهاب :

_ شعور شخص أو جماعة بالظلم ومحاولة إسترجاع حقه بأستخدام القوة والعنف المفرط .

_ التأثر بالتفسيرات المتشددة للنص الدينى , والتى تحث على إستعادة الحق والوقوف ضد الباطل حتى لو كانت الوسائل عنيفة .

_ إستناد بعض الجماعات المتطرفة لبعض النصوص التى تبيح دماء وأعراض وأموال من هم على دين آخر أو مذهب فكرى مختلف .

_ قيام بعض الدول العظمى بزرع خلايا إرهابية فى دول أخرى لفرض سيطرتها ونفوذها على الدول الضعيفة .

_ بعض القوانين والنصوص الدستورية التى تضعها الحكومات بغرض إقصاء وأبادة جماعة أو طائفة فى المجتمع .

_ أنتشار روح التعصب الفكرى والدينى , ولجوء كل طائفة لأستعمال العنف لفرض أفكارها ومبادئها .

_ أنتشار التخلف والرجعية وزيادة البطالة بين الشباب,مما يدفعهم للوقوع فى الإحباط وإستخدام العنف ضد المجتمع .

_ قد تقوم بعض الحكومات بأستخدام جماعات منظمة لأرهاب أفراد أو جماعات معارضة لها فى الفكر والآراء .

طرق مواجهة الإرهاب :

1_ عدم تبرير الأعمال الإرهابية بأى شكل من الأشكال وإدانتها بكل الوسائل الممكنة من المجتمع والأفراد .

2_ الإلتزام بتطبيق الدستور والقانون على الجميع فى المجتمع بدون تفرقة, ومنح الفرد حق التعبير عن الرأى .

3_ تجريم كل أشكال الفكر المتطرف, ومنع ترويج الأفكار التى تدعو للعنف وإستباحة الفرد والمجتمع المختلف .

4_ غلق كل منابر الإرهاب من صحف ومواقع إنترنت وقنوات وإذاعات وكل وسيلة أعلامية تروج لأرهاب الآخر .

5_ البدء فى تحديث النصوص الدينية , والقيام بحذف وشطب كل ما يدعو للقتل وسلب الأموال وإستباحة الأعراض .

6_ وضع قانون يجرم الدعوة للعنف والإرهاب وتكون العقوبة الجزائية كبيرة كالسجن 10 أعوام أو مدى الحياة .

7_ العمل على تقليل حمل السلاح بين أفراد الشعب , ومحاولة حصر أستخدام الأسلحة بيد أفراد الأمن والمختصين .

8_ أهتمام الدولة بالشباب والعمل على تسهيل ألتحاقهم بالوظائف وحمايتهم من الأنحراف .

9_ محاربة الجهل والتخلف, وتأصيل منهج السماحة والبعد عن التعصب الدينى بنشر الثقافة العامة .

10_ الأهتمام بدور الأسرة والمدرسة التربوى, وإقامة المؤتمرات والندوات الهادفة لنبذ التعصب والتطرف والإرهاب بكل أشكاله .