المُعتزلة فلاسفة المسلمين

المُعتزلة هى فرقة كلامية فلسفية إسلامية ظهرت فى البصرة فى بداية القرن الثانى للهجرة على يد (واصل بن عطاء) بعد أن اعتزل مجلس شيخه (الحسن البصرى) لخلافه معه فى الرأى فى مسألة المُسلم مُرتكب الكبائر , كان رأى (الحسن البصرى) أنه مؤمن فاسق , أما (واصل بن عطاء) فلم يُعجبه قول شيخه وقال أنه (فى منزلة بين منزلتين) , ثم ترك المجلس وصنع حلقة دراسية لنفسه لينشر بها مذهبه الجديد . تعتمد جماعة المُعتزلة على العقل فى تأسيس العقيدة , وتؤيد أن الفطرة والعقل السليم قادر على التمييز بين الحلال والحرام قبل الشريعة والنصوص الدينية , ولذلك يجب على الإنسان إعمال العقل فى كل ما يعرض عليه فى العقيدة والنصوص والعبادات والأحكام فيما يُعرف بمصطلح (التحسين والتقبيح العقلى) . وإذا حدث تعارض بين النص مع العقل قدموا العقل على النص لأنه أصل النص ولا يتقدم الفرع على الأصل .

أُصول المُعتزلة الخمسة

نشأت جماعة المُعتزلة على خمسة مبادىء أساسية تُشكل القواعد الواضحة لمنظومة الأفكار والعقائد لمذهب المُعتزلة هى ( التوحيد _ العدل _ الوعد والوعيد _ المنزلة بين المنزلتين _ الأمر بالمعروف والنهى عن المُنكر ) نشرح هذه المبادىء بصورة مُبسطة فيما يلى :

1/ التوحيد : يعنى به المُعتزلة إثبات وحدانية الله ونفى المِثل والتشبيه له , وتنزيه الله عن التجسيم ونفى صفاته فهو القديم والأول والآخر .

2/ العدل : هو قياس الأحكام الإلهية على ما يوجبه العقل والحكمة , وأن الله لم يخلق أفعال عباده بل أن الناس هم الخالقون لأفعالهم سواء الخير منها والشر , والله لا يفعل سوى الخير والصلاح لرعاية مصالح الناس والمخلوقات , العقل البشرى مُستقل وقادر على تمييز ما هو خير وحسن , وما هو قبيح وشرير ويستحق الثواب والعقاب كجزاء عادل على ذلك .

3/ المنزلة بين منزلتين : هى المسألة التى صنعت الخلاف بين واصل بن عطاء والحسن البصرى , حيث تُوضح حُكم الفاسق فى الدنيا لدى المُعتزلة الذين يعتقدون أن الفاسق لا يُطلق عليه مؤمن ولا يُسمى كافراً , إنما يكون فى منزلة متوسطة بين المنزلتين , لو تاب رجع إلى الإيمان ولو مات على الفسق كان من المُعذبين فى جهنم .

4/ الوعد والوعيد : يُقصد بذلك أن الله يحكم بين الناس فى الآخرة فيقضى بالوعيد على مُرتكبى الكبائر ولا يقبل لهم شفاعة ولا يُخرجهم من النار فهم مُخلدون فيها , كما يُعطى المؤمنين الذين فارقوا الدنيا على التوبة والطاعة الجنة والأجر والثواب العظيم , ومن لم يتب عن الكبائر من المؤمنين فهو فى النار لكن جزائه فى العذاب أقل من عذاب الكُفّار .

5/ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : يكشف هذا عن موقف المُعتزلة من أصحاب الكبائر الحُكام والمحكومين وهو الإجماع على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بجميع الطُرق والوسائل المُمكنة من الكلام والقوة والسلاح والقتال , فهم يرون أن قتال الحُكام الفاسقين الظالمين والخروج عليهم عند القدرة واجب , وأكثر الظن أن تتم الغَلبة عليهم وإزالة الظلم والمُنكر .

حلقات العِلم

أفكار المُعتزلة

سارت أفكار المُعتزلة وفقاً للأصول الخمسة التى وضعوها وتعددت مذاهبهم وتشعبت أفكارهم فتم الاتفاق بينهم فى بعض الأفكار والاختلاف فى أمور أخرى , حيث أنهم أجمعوا على نفى رؤية الله بالأبصار للناس فى الدنيا والآخرة وأن قول القرآن : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) تعنى مُنتظرة , كما قالوا بأن القرآن مخلوق وليس بقديم مثل الخالق , ونفوا كذلك العُلو المكانى لله والاستواء وأن قول القرآن : (الرحمن على العرش استوى) تعنى الاستيلاء والنفوذ مُخالفة لرأى أهل الحديث . كذلك أنكر المُعتزلة الغيبيات مثل عذاب القبر والصراط والميزان والسحر وعلامات الساعة وشفاعة النبى فى الكبائر وكرامات وخوارق الأولياء والصالحين . لديهم قاعدة تقول ” كل مُكلف مُطالب بما يؤديه إليه اجتهاده فى أصول الدين ” تعنى أن التلميذ لو اختلف مع شيخه فى مسألة واحدة تكفى ليكون التلميذ له جماعة قائمة لذاته .

المُعتزلة والتيارات الأخرى

تفرقت المُعتزلة إلى تيارات عديدة تتفق على الأصول الخمسة وتختلف فى الفروع أشهرها : ( الواصلية _ الهذيلية _ النظامية _ الخابطية _ الحدثية _ البشرية _ المردارية _ الثمامية _ الهشامية _ المعمرية _ الجاحظية ) . كما ارتد بعضهم عن مذهب المُعتزلة منهم (أبو الحسن الأشعرى) مؤسس مذهب (الأشاعرة) وانضم إلى أهل السُنّة وانتقد المُعتزلة وناصبهم العداء . كذلك دارت معركة كبيرة بينهم وبين الإمام (أحمد بن حنبل) الذى تعرض للسجن والتعذيب فى محنة (خلق القرآن) فى عهد الخليفة المأمون واستمرت فى عهد المُعتصم والواثق .

طُلاب العِلم فى المسجد

أشَهر أئمة المُعتزلة

  • واصل بن عطاء : مؤسس مذهب الاعتزال , معروف بالغزال وكان لديه لثغة فى حرف الراء فتجنب النُطق بها , هو تلميذ الحسن البصرى .
  • عمرو بن عبيد : الشخص الثانى فى المذهب بعد واصل بن عطاء وكان تلميذ بحلقة الحسن البصرى أيضاً .
  • أبو الهذيل العلاّف : شيخ البصريين فى الاعتزال ومُقدم الطائفة وتُنسب له الفرقة الهذيلية .
  • إبراهيم بن سيار النظّام : من مُتخرجى مدرسة البصرة للاعتزال من أصحاب أبى الهذيل واطّلع على الكثير من كُتب الفلسفة .
  • عمرو بن بحر الجاحظ : أشهر كُتَّاب المُعتزلة والمُطّلعين على الفلسفة والبلاغة الأدبية , من كُتبه البيان والتبيين والحيوان والبُخلاء .
  • الزمخشرى : من أهل فارس , برع فى الآداب والبلاغة والعقيدة , من كُتبه الكشاف (تفسير للقرآن) وأساس البلاغة .
  • القاضى عبد الجبّار : من مُتأخرى المُعتزلة , عمل كقاضى قُضاة وأشهر شيخ للمُعتزلة فى زمنه , أشهر مُنظرى المُعتزلة , عمل على تأريخ المذهب وترسيخ الأُصول والمبادىء العقائدية والفكرية .

تُعد المُعتزلة أكبر مدرسة فلسفية فى الإسلام والعامل الأكبر فى تعظيم قوة التفكير العقلى والمنطقى فى العقيدة والأحكام الشرعية , والمؤثر الأقوى فى جميع الحركات والتيارات الفكرية التى جاءت من بعدها فى التاريخ الإسلامى حتى الوصول لتيارات التنوير الجديدة فى العصر الحديث على يد (جمال الدين الأفغانى) و(محمد عبده) و(أحمد أمين) .