النار

صحوت فزعاً على صوت صرخات! … قفزت من الفراش … غشاوة النوم تطمس عينى … ماذا يحدث وماذا أفعل؟! ، الصراخ من خارج الشقة! … أقدام تركض على السلالم … أيادى تطرق أبواب الشقق؟! ، مسحت وجهى بالماء سريعاً … استجمعت شتات نفسى … فتحت باب الشقة لدخول المتاعب! .

الصورة تتضح أمامى … أصوات تُردد : النار .. حريقة .. المطافىء .. البوليس ، صرخات نسائية … تجمُع رجالى أمام شقة فى أخر رواق الدور الذى أسكنه! ، يدقون الباب بعنف … يحاولون كسره بأكتافهم! . الدخان يزداد … يُغشى العيون والأنوف ، لحقت بهم نضرب الباب بكل قوة لكن دون جدوى! … الباب قوى مُبطن بالفولاذ يصعب كسره! ، فتاة تصرخ من داخل الشقة بلا توقف!… هموت .. إلحقونى .. حرام عليكم .. النار … بكاء ونشيج ثم تُعاود الصراخ .

اقترح عم محمد البواب القفز من المنور لكسر باب المطبخ وإنقاذها ، نفَّذَ مع أحد الجيران فوراً ، بدأت مُحاولات كسر باب المطبخ ، المُفاجأة أنه باب مُحكم الإغلاق أيضاً وصعب الكسر! . دقائق ثقيلة مرت قبل وصول المطافىء … هربت أعصاب الجميع … فقدوا عقولهم من صرخات الفتاة وتأثير الدخان .

تمكن رجال الإطفاء من كسر باب الشقة … أخمدوا الجحيم داخلها بشجاعة وسرعة! ، سكنت صرخات الفتاة … بعض النساء تبكى استعداداً لخبر وفاتها! ، الغريب أنها كانت لازالت على قيد الحياة! … أصابها الدخان بالإغماء … مُلقاة فى ركن الصالة المُحترقة ، إستطاع المُسعفين إفاقتها لكنها فحمة … مسلوخة الجلد … مُشوهة الجسد والروح! … تتأوه وتتكلم كأن شيئاً لم يحدث! .

بدأ الضابط يسألها عن الحادث … أجابت بإنها خادمة عند سيد بك منذ شهرين ، وأنه أعتاد وزوجته إغلاق جميع أبواب الشقة حتى لا تهرب لأنها لا تُريد العمل عندهم! … الراتب يذهب كله للأب! … تُريد الهرب والزواج من ميكانيكى يُواعدها منذ شهور! ، أنها غَفَلَت عن البوتجاز المُشتعل وبجواره أقمشة تستخدمها لمسك الأوانى فزحفت النار للمطبخ كله والشقة! ، أنهى الضابط إستجوابها … حملها رجال الإسعاف على النقالة مُغطاة ببطانية قديمة تبرعت بها أحدى السيدات … أنطلقت العربة بالفتاة للمستشفى .

أكمل الضابط التحقيق مع البواب وسُكان العمارة عن الحادث؟ … علاقة سيد بك بمن يخدمه؟ ، الإجابات فى المُجمل تُمجد سيد بك وكرمه! ، وتبتعد عن الإجابات المباشرة! .

حضر سيد بك بعد إبلاغه بالحادث … خرج من الأسانسير كالطاووس بملابسه الثمينة! … الهاتف على أذنه! ، صافح الضابط … سلمه الهاتف! … تبدلت نظرات الضابط … تغير معها سير التحقيق … كرر تمام يا فندم كثيراً! … صرف الجميع! … ناقش سيد بك على إنفراد! … بدأ يكتب محضر جديد! … طلب توقيع البك … شد على يده بالسلام قبل الإنصراف! .

الأخبار السيئة وردت تباعاً … تناقلها البواب وسُكان العمارة فى غيظ وسكون! ، ماتت الفتاة بعد ساعات فى المستشفى ، سبب الحادثة تغير فى محضر الشرطة إلى ماس كهربائى! ، سيد بك دفع مبلغ مالى كبير لوالد الفتاة للسكوت وعدم إتهامه بشىء! ، الجميع فى العمارة يخرج ويدخل والخزى على وجهه! .

زال أَثَر الحريق من البناية! … الحياة تسير والنسيان آفة البشر! ، بعد عام كنت أفتح باب شقتى ، سمعت صوت فتاة خلفى يسأل عن شقة سيد بك! … أشرت لأخر الرواق ، أتى صوتها مُختلجاً : آسفة يا بك على إزعاجك … أنا الخدامة الجديدة ، خطوت داخل الشقة … استدرت قبل أن تضغط جرس البك ، بعطف أبوى ونبرة حزن رددت لها : ابعدى عن النار يا بنتى … النار! وأغلقت الباب .

طيارة ورق

أحصى النقود ثلاث مرات … وصلت للثمن المطلوب، تَسمر أمام المتجر يراقبها من بعيد لمرة أخيرة … خطفت أنظاره كأول مرة رآها … ألوان زاهية، الذيل الطويل يرفرف … حَلُم بها تطير وتأخذه لبلاد بعيدة … متشجعاً دخل المتجر، طلبها وسلم البائع النقود … سلمها له البائع مبتسماً، احتضنها وخرج للطريق … تفحصها بلهفة … لا ثقوب فى الجسد البلاستيكى … الخيط طويل … ميزان الطيران مضبوط … حملها وطار نحو المنزل منتشياً.

صعد سطح المنزل بسرعة … وصل الخيط فى مكانه بجسم الطائرة … لعب فى الذيل، موصول بمادة لاصقة جيداً … طائرات أخرى تظهر فى الأفق، تبث السعادة فى نفسه … حملها وسار … ألقاها لأعلى مراراً، تهبط لأسفل سريعاً … بدأ فى الركض بها، أرتفعت قليلاً وعادت للسقوط … داوم التجريب والحركة زاد الإرتفاع … موجة هواء حملتها لأعلى أخيراً … بدأ يوجه مسارها، مدد الخيط قليلاً قليلاً … شقت طريقها نحو السماء … روحه وأحلامه تصعد معها … أدار الخيط إلى اليمين واليسار، تراقصت الطائرة فى الهواء … زادت النشوة داخله … يركض تركض الطائرة معه، يقف تتمايل فى الهواء بدلال … طافت حول المنطقة كلها، يحلم بقيادة طائرة حول العالم.

مرت ساعات الحلم سريعاً، الهواء يضطرب … السماء تغيم، جاهد ليُثبت الخيط فى يده … زاد الإهتزاز … إبتعدت الطائرة … عاد الخيط وحده، سقطت بعيداً ومعها قلبه، صرخ بشدة … حدد بالتقريب مكان السقوط، طوى درجات السلم … ركض فى الشارع كالمجنون … الدموع فى عيونه، وجدها مُعلقة أعلى عمود إنارة … لا يجد ما يجذبها به! .. قذفها بالحصى لعلها تسقط! .. طاشت محاولاته … قلت طاقته … جلس يفكر، يوفر النقود لشراء طائرة جديدة؟! لكن لو سقطت مثل الأولى؟! لا هذا فوق التحمل! يتركها وينساها؟! ينسى روحه وأحلامه السعيدة؟! لن يتركها ولن ينساها! سيمر عليها يومياً … يُمتع العين برؤيتها ولو من بعيد!.

يراها فى طريقه للمدرسة … فُسحة الروح الوحيدة … عزاء القلب الحالم من الحياة الرتيبة. الأيام تمر … عود الصبى طال … رأسه تكبُر، أتى الشتاء ببرودته … سقط المطر، تخلف عن زيارتها بعض الأيام … أكتفى بذكرياته معها، مر عام آخر … فكر فيها قليلاً … ذهب لرؤيتها أقل.

زاد عدد الأصدقاء … توقفت الطائرة عن زيارته فى المنام … أتى الصيف بشمسه الساطعة، مر بالجوار … نظر لعمود الإنارة لم يجدها! سقطت أسفل … أقترب منها، تغيرت كثيراً … تكسرت أعواد البوص … إختفى الغطاء البلاستيكى … تأكلت الخيوط … كيان باهت بين يديه! .. أدارها على وجهها … تركها فى مكانها، أكمل طريقه ناحية ملعب كرة القدم .

أغنية طيارة ورق

جنون إلكترونى

يأكل الشاشة بعيونه النَّهْمَة … أحداث صاخبة دائماً … منشورات أسرع من الزمن … اليد تزور طبق الفيشار آلياً … عقوبات قانون قيصر … ضرائب جديدة … مظاهرات أمريكا ضد العنصرية … خبر وفاة جديد … زفاف ابن صديق … شائعة إنفصال فنان شهير … أغنية جديدة لمطربة مثيرة … الحكمة ضالة المؤمن … عضة أسد ولا نظرة حسد..

العيون تتمسح بصدر الفنانة الفائر … لسانه يلعق شفتيه … تضم الشفاه وتغمز له بتغنج … يبتسم ويتشجع … اليد تعبث فى الجسد … تؤنبه بنظرة من عيونها الفاتنة … شعور بالإجهاد والعطش … يُفرغ من زجاجة فى فمه … تخمد الإثارة وتَسكن المظاهرات … أذان فى المسجد … تتوقف الأغنية … يبحث عن فيلم جديد … إشعارات الفيسبوك لا تتوقف … رسائل الواتساب … دعوات الإعجاب بالصفحات … آيات قرآن وأدعية … كليبات رقص ساخنة ..

المثانة تنذره بالإنفجار … يتشبث بالشاشة … يقف ويخطو … يعود ويجلس … تفتش يده تحت المكتب … تعثر على زجاجة فارغة … يُرخى البنطال … يُقرب الزجاجة … ينساب البول وعيونه على الشاشة.