الحب فى طوق الحمامة

قلوب المُحبين سابحة فى الفضاء كأسراب الحمام، تحمل فى طوقها رسائل اللهفة والشوق للقاء الأحبة . ( أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى ) الفقيه الظاهرى المذهب ، وضع رسالة فى الحب فطافت حول العالم فى طوق الحمامة وتلقفتها القلوب والعيون بمزيج من التلهُف والأشواق المُلتهبة ، فكأنما كتب دستوراً توزن به قلوب العاشقين وتُلتَمس فيه دروب المحبة والأُلفة بين البشر ، لمست الرسالة قلوب المُحبين فحفظتها العقول وعملت بها الجوارح فبقيت الحمامة رمز المحبة والسلام عبر العُصور وظل فى طوقها كتاب الحب .

الكلام فى ماهية الحب

الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد . دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة ، وليس بمنكر فى الشريعة ،إذ القلوب بيد الله عز وجل . اختلف الناس فى ماهيته وقالوا وأطالوا، والذى أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة فى هذه الخليقة فى أصل عنصرها الرفيع على سبيل مُناسبة قواها فى مقر عالمها العلوى ،ومجاورتها فى هيئة تركيبها . المحبة ضروب، فأفضلها محبة المتحابين فى الله عز وجل، ومحبة القرابة، ومحبة الأُلفة والاشتراك فى المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة البر يضعه المرء عند أخيه ، ومحبة الطمع فى جاه المحبوب ، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره ، ومحبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر ، ومحبة العشق لإتصال النفوس ، ومحبة العشق الصحيح المُمَكن من النفس ولا فناء لها إلا بالموت ، وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يؤكد ذلك :

الأرواح جنود مُجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف

العلة فى الحب فى أكثر الأمور على الصورة الحسنة ، النفس الحسنة تولع بكل شىء حسن وتميل إلى التصاوير المُتقنة ، فهى إذا رأت بعضها تثبتت فيه، فإن ميزت وراءها شيئاً من أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقة ، وإن لم تُميز وراءها شيئا من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة وأكتفت بمقام الشهوة . الحب أعزك الله داء عياء وفيه الدواء منه على قدر المعاناة ، ومقام مُستلذ ، وعلة مُشتهاة لا يود سليمها البرء ، ولا يتمنى عليلها الإفاقة . يزين للمرء ما كان يأنف منه ، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده حتى يحيل الطبائع المُركبة والفطرة المخلوقة .

علامات الحب

وللحب علامات ظاهرة يعرفها الفَطن ، ويهتدى إليها أصحاب العقول والقلوب الرقيقة المُمتلئة بالأُلفة . أولها إدمان النظر لمحاسن المحبوب ، والعين باب النفوس وسفير الأشواق ، فترى الناظر لا يطرف ، يتنقل بتنقل المحبوب وينزوى بانزوائه . ومنها الإقبال بالحديث مع المحبوب ، والإنصات لحديثه إذا حدث ، واستغراب كل ما يأتى به ، وتصديقه وإن كذب، وموافقته وإن ظلم، والشهادة له وإن جار ، واتباعه كيف سلك . ومنها أيضا الإسراع بالسير نحو مكانه والتعمد للقعود بقربه والدنو منه ، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته ، والتباطؤ فى المشى عند القيام عنه ، بهت يقع وروعة تبدو على المُحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة ، واضطراب يبدو على المُحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه فجأة . يغير الحب النفوس فيجود المرء ببذل كل ما يقدر عليه مما كان يمتنع به قبل ذلك ، ينبسط فى المكان الضيق ، ويضيق فى المكان الواسع، يتجاذب المُحبان على الشىء يأخذه أحدهما ، كثرة الغمز الخفى والميل بالإتكاء ، تعمُد لمس اليد عند المحادثة ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة ، شرب فضلة ما أبقى المحبوب فى الإناء وتحرى أماكن المقابلة . تجد المُحب يستدعى سماع اسم من يحب ويستلذ الكلام فى أخباره ولا يرتاح لشىء ارتياحه لها.

ومن علاماته حب الوحدة والأُنس بالانفراد ، ونحول الجسم دون حد يكون فيه ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشى ، والسهر من أشهر أعراض المُحبين . يعرض للمحبين القلق عند أمرين : أحدهما عند رجائه لقاء من يحب فيعرض عن ذلك حائل ، والثانى عند حادث يحدث بينهما من عتاب لا تدرى حقيقته إلا بالوصف ، فيشتد القلق، فإما أن يذهب تحامله إن رجا العفو ، وإما أن يصير القلق حزناً وأسفاً إن تخوف الهجر ، فترى أعراض الجزع والحمرة المقطعة من إعراض محبوبه عنه ونفاره منه ، وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه وتنفس الصعداء. قد ترى المُحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته ، ومن علاماته البكاء يتفاضل فيه أهل الحب ، فمنهم غزير الدمع تجيبه عينه وتحضره عبرته إذا شاء ، ومنهم جمود العين عديم الدمع . يعرض فى الحب سوء واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير وجهها ، وهذا أصل العتاب بين المُحبين ، ترى المُحب إذا لم يثق بنقاء طوية محبوبه له كثيراً فى التحفظ مما لم يكن يتحفظ منه قبل ذلك، مثقفاً لكلامه، مزيناً لحركاته . ومن آيات الحب المراعاة للمحبوب وحفظه لكل ما يقع منه ، وبحثه عن أخباره لا يسقط منها شىء وتتبعه لحركاته وسكونه .

كتاب طوق الحمامة

آفات الحب

للحب آفات تنغص عليه صفوه وتكدر سعادة من يلتمسون فيه المسرة والطمأنينة ، أولها العاذل ، وهو اللائم كثير العتاب والسخط ، صديق أسقط مؤونة التحفظ ، أو عاذل زاجر لا ينتهى أبداً من الملامة وذلك خطب شديد وعبء ثقيل . ثانيها الرقيب على المُحبين ، هو مُثقل بالجلوس فى مكان اجتمع فيه المرء مع محبوبه وعزما على الانفراد بالحديث . ثالثهما الواشى، هو النمام والكذاب يسير بين المُتحابين بالكلام بغرض الوقيعة بينهم فيفسد النفوس ويوغر الصدور . رابع الآفات الهجر، هو البعد والافتراق وعكسه الوصل واللين فى التعامل ، قد يكون الهجر يوجبه التذلل وهو ألذ من الوصل ،يأتى عن ثقة كل واحد من المُتحابين بصاحبه فيظهر المحبوب الهجر ليرى صبر مُحبه ، وهجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المُحب ، وفيه بعض الشدة لكن فرحة الرجعة وسرور الرضى يعدل ما مضى ، فإن لرضى المحبوب بعد سخطه لذة فى القلب لا تعدلها لذة وموقفاً من الروح لا يفوقه شىء من أسباب الدنيا . خامسها البين ، هو الفراق والبعد عن الحبيب ، قد يكون الفراق لمدة يوقن بإنقضائها والعودة عن قريب فيمتنع اللقاء وتقع الغصة فى القلب ، وفراق للسفر والبعد فى المكان ، ثم فراق الموت وهو الذى ليس بعده إياب . سادسا السلو، هو النسيان والبُعد المُتعمد ، وعاقبة كل حب أحد أمرين : إما الظفر بالحبيب ، وإما السلو والنسيان الحادث للمحبين ، السلو المتولد من الهجر وطوله كاليأس يدخل على النفس من بلوغ أملها فيفتر نزاعها وتقل رغبتها ، السلو ينقسم قسمين : سلو طبيعى يسمى بالنسيان يخلو به القلب ويَفرغ البال ، ويكون الإنسان كأنه لم يحب قط ، الثانى سلو تطبعى يأتى من قهر النفس ويسمى بالتصبر فيُظهر المُحب التجلد ويحاسب نفسه ويوقف مشاعره تجاه الحبيب رغم وخزات الأشواق فى جدار القلب .

أن تفتح قلبك وتسير فى دروب الحب ، فأنت مستعد لرؤية الدنيا بما فيها من سرور ولذة ، وأن تتحمل كذلك ما فيها من أحزان ومصائب ، وعلامة الحب خضوع القلب للمحبوب وإقتفاء آثار العشق فوق الطُرق والدروب، طريقك مُعبَد بالورود والرياحين مع بعض الأشواك والعقبات لإختبار الصبر والشجاعة ، وأمل فى الظفر بالحبيب ولو طال الإنتظار ، أو فناء الروح فى محبة المحبوب وخلودها الدائم فى جنات المحبة بين أزهار القلوب والأرواح العاشقة ، وهذا مقام العُشاق العظماء ولا يناله إلا صفوة المُحبين .

رسائل الحب

نُرشح لك للقراءة : ابن حزم وأحياء المذهب الظاهرى

المراجع

  • كتاب طوق الحمامة فى الأُلفة والألاف / ابن حزم الأندلسى

20 فكرة على ”الحب فى طوق الحمامة

  1. تنبيه: الحب فى طوق الحمامة – sourab titrés

      1. Ive been reading Kahil Gibran, The Prophet, this quote stood out to me, I hope you don’t mind me sharing..

        “Let there be spaces in your togetherness, And let the winds of the heavens dance between you. Love one another but make not a bond of love: Let it rather be a moving sea between the shores of your souls. Fill each other’s cup but drink not from one cup. Give one another of your bread but eat not from the same loaf. Sing and dance together and be joyous, but let each one of you be alone, Even as the strings of a lute are alone though they quiver with the same music. Give your hearts, but not into each other’s keeping. For only the hand of Life can contain your hearts. And stand together, yet not too near together: For the pillars of the temple stand apart, And the oak tree and the cypress grow not in each other’s shadow.”

        Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.